التجارب النووية الفرنسية في الجزائر.. إرث استعماري لا يزال يشع بعد عقود

شارك

تواصل الجزائر جهودها لمعالجة آثار التجارب النووية الفرنسية التي أجريت في الصحراء بين عامي 1960 و1966، في وقت لا تزال فيه فرنسا تحجب خرائط ومعلومات مرتبطة بمواقع الاختبارات والنفايات المشعة، وسط مطالب جزائرية بالكشف عن مواقع التلوث ومساعدة البلاد في تطهير المناطق المتضررة.

وبدأت فرنسا برنامجها النووي في الجزائر خلال الحقبة الاستعمارية، عندما فجرت أول قنبلة ذرية في منطقة رقان بالصحراء الجزائرية في 13 فبراير/شباط 1960. وكانت القنبلة، التي حملت اسم “اليربوع الأزرق”، بقوة بلغت 70 كيلوطن، أي أربعة أضعاف القنبلة التي ألقتها الولايات المتحدة على هيروشيما عام 1945، وفق المادة.

ويستعيد مختار بن عبد القادر، وهو مهندس جزائري يبلغ 30 عاماً من أدرار، ذكريات جده محمد عن الانفجار الذي وقع بينما كانت العائلة تعيش في قرية باهو القريبة من الحمودية. وقال إن جده وصف ضوءاً ساطعاً في السماء أعقبه صوت قوي هز الأرض.

وبحسب الرواية الواردة في المادة، أدى الانفجار إلى نشر التلوث الإشعاعي على مساحة امتدت نحو 200 كيلومتر عرضاً و100 كيلومتر طولاً، فيما توفي أشخاص وحيوانات وتضررت النباتات في المناطق المحيطة.

وتوفي جد مختار عام 1992 بعد سنوات من معاناته من سرطان الكبد، بينما توفي آخرون في قريته بالمرض نفسه. وبعد استقلال الجزائر عام 1962، غادر الجد باهو مع عائلته إلى أدرار، معتقداً أن الابتعاد عن موقع التجربة سيجنبهم الخطر.

17 تجربة في الصحراء

لم تكن تجربة “اليربوع الأزرق” سوى بداية لبرنامج نووي فرنسي واسع في الصحراء الجزائرية. فقد أجرت فرنسا 17 تجربة نووية في موقعي رقان وعين إيكر، بعضها في الغلاف الجوي وأخرى تحت الأرض، واستمرت الاختبارات حتى عام 1966.

وتشير المادة إلى أن آثار تلك التجارب لم تتوقف بانتهاء الانفجارات، إذ بقيت مواد ومعدات ونفايات مرتبطة بالبرنامج النووي في مناطق واسعة من الصحراء، بينما لم تسلم فرنسا الجزائر حتى الآن خرائط تحدد مواقع المعدات والنفايات المدفونة.

وتصف المؤرخة الجزائرية سامية هني ما خلفته التجارب بأنه جزء من “مشروع استعماري”، مشيرة إلى انتشار مواد ونفايات يحتمل أن تكون ملوثة ومشعة في مناطق واسعة، بما يشكل خطراً على البيئة والسكان.

وقالت هني إن عدد سكان منطقة رقان والمناطق المحيطة بها انخفض من نحو 40 ألفاً إلى 20 ألف نسمة، مؤكدة أن العدد الدقيق للضحايا لا يزال غير معروف بسبب استمرار سرية برنامج التجارب وعدم إتاحة الأرشيفات المرتبطة به.

وتحتفظ فرنسا بوثائق التجارب النووية ضمن تصنيف “الدفاع السري”، بحجة ارتباطها بتقنيات عسكرية حساسة. ووفق المادة، أدى قانون فرنسي صدر عام 2008 إلى وضع فئة من أرشيفات أسلحة الدمار الشامل، بما فيها النووية، ضمن وثائق يصعب رفع السرية عنها، فيما شدد قانون عام 2021 القيود المرتبطة بأرشيفات الدفاع.

الجزائر تطالب بالخرائط والتنظيف

وتضغط الجزائر منذ سنوات للحصول على معلومات تمكنها من تحديد مواقع النفايات المشعة وإعادة تأهيل المناطق المتضررة. وأجرت منظمة دولية لمناهضة الأسلحة النووية عام 2020 دراسة تضمنت قائمة غير شاملة بالنفايات المشعة في الصحراء الجزائرية، اعتماداً على وثائق وأرشيفات رفعت عنها السرية.

وتقول المادة إن السلطات الجزائرية تستخدم هذه الدراسة في مطالبة فرنسا بالتعاون، فيما طلب الرئيس عبد المجيد تبون ورئيس أركان الجيش سعيد شنقريحة من باريس المساعدة في إعادة تأهيل المناطق الملوثة.

لكن هذه المطالب لم تؤد إلى تعاون فرنسي واسع، وسط تبريرات تتعلق بسرية المعلومات وحساسيتها العسكرية، إلى جانب مخاوف من أن يؤدي الاعتراف بالأضرار إلى فتح الباب أمام مطالبات بالتعويض.

وفي العام الماضي، أقر البرلمان الجزائري قانوناً يلزم فرنسا بتطهير مواقع التجارب في رقان وعين إيكر وتسليم الخرائط الطبوغرافية الخاصة بمواقع دفن النفايات المشعة.

وفي المقابل، لا ترى فرنسا نفسها ملزمة قانونياً بإعادة تأهيل تلك المواقع، وفق ما تذكره المادة، في ظل عدم تضمين اتفاقيات إيفيان التزامات واضحة بهذا الشأن.

تعويضات محدودة

وأقرت فرنسا عام 2010 قانون مورين الذي فتح المجال أمام تعويض المتضررين من الأمراض الناتجة عن التعرض للإشعاع بسبب التجارب النووية الفرنسية في الجزائر وبولينيزيا الفرنسية.

لكن الاستفادة من القانون ظلت محدودة بالنسبة للجزائريين، إذ لم يحصل على تعويضات سوى جزائري واحد من بين أكثر من ألف ضحية، بحسب المادة.

ويرتبط ذلك، وفق التفسير الوارد فيها، بصعوبة إثبات الإقامة قرب مواقع الاختبارات وقت إجرائها، خصوصاً أن سكان الصحراء كانوا في الغالب من البدو الرحل ولم يمتلكوا وثائق تثبت عنوان إقامة ثابت.

وفي عام 2021، أقرت فرنسا بوجود “دين” تجاه بولينيزيا الفرنسية، التي شهدت 193 تجربة نووية بين عامي 1966 و1996، كما اتخذت إجراءات لفتح الأرشيفات ومتابعة عمليات تنظيف المواقع وتسهيل تعويض الضحايا.

أما في الجزائر، فلا تزال قضية التطهير والكشف عن الأرشيفات عالقة.

الجزائر تبدأ التطهير بنفسها

ومع استمرار فرنسا في حجب الخرائط، بدأت الجزائر في فبراير/شباط عمليات تطهير خاصة بها، بالاعتماد على تحقيقاتها ودراساتها، فيما يتولى الجيش تنظيم العملية.

وانطلقت عمليات التنظيف في موقع تاوريرت تان أفيلا قرب عين إيكر، حيث أجرت فرنسا تجربة “بيريل” النووية الثانية تحت الأرض. وتعرضت التجربة لخلل كبير في نظام الاحتواء، ما أدى إلى تسرب غازات مشعة ومواد منصهرة وتلوث المنطقة.

ولا تزال آثار السيزيوم-137 والبلوتونيوم موجودة في الموقع، بينما خلص تقرير برلماني فرنسي حديث إلى أن أربعاً من أصل 13 تجربة نووية فرنسية تحت الأرض في الصحراء الجزائرية لم يتم احتواؤها بالكامل.

وتواصل الجزائر، بذلك، التعامل مع إرث نووي يعود إلى الحقبة الاستعمارية، في ظل استمرار الخلاف مع فرنسا بشأن حجم الأضرار، والمسؤولية عن تطهير المواقع، وفتح الأرشيفات، وضمان حقوق المتضررين.

شارك

Facebook
X
WhatsApp
LinkedIn
Telegram
Email

قد يعجبك أيضاً