أعاد اتفاق الدفاع المشترك الذي وقعته تركيا والسعودية وباكستان في مكة رسم جانب من المشهد الأمني الإقليمي، مع منح أنقرة مساحة جديدة للتحرك وتعزيز شراكاتها الدفاعية، في وقت تشهد فيه المنطقة اضطرابات متصاعدة وتراجعاً في وضوح الضمانات الأمنية الأميركية.
وينص الاتفاق، الذي بات يعرف باسم «اتفاق مكة»، على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث سيُعامل باعتباره هجوماً على الدول الأعضاء كافة، وهو بند أثار مقارنات مع المادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي «الناتو».
إلا أن الاتفاق لا يزال في مراحله الأولى، وتحيط به أسئلة تتعلق بمدى قدرة الدول الثلاث على تحويل الالتزام السياسي إلى آلية عسكرية قابلة للتنفيذ.
ويمثل الاتفاق بالنسبة إلى تركيا أكثر من مجرد تفاهم عسكري؛ فهو يوفر لأنقرة ورقة جديدة في حساباتها الإقليمية والدولية، في ظل تراجع وسائل الردع التقليدية وتصاعد التوتر مع إسرائيل وتزايد حالة عدم الاستقرار منذ اندلاع الحرب في المنطقة.
وقال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إن المفاوضات بين الدول الثلاث استمرت لأكثر من عامين قبل توقيع الاتفاق، مؤكداً أن الترتيب لا يستهدف دولة بعينها. كما شدد على أن الهدف يتمثل في تعزيز الأمن والردع الجماعي والاستقرار الإقليمي.
وتنظر أنقرة إلى السعودية باعتبارها شريكاً رئيسياً لما تتمتع به من ثقل سياسي واقتصادي وأمني في الخليج، بينما تمتلك باكستان علاقات عسكرية ودفاعية طويلة الأمد مع كل من تركيا والسعودية، إضافة إلى قدراتها العسكرية الكبيرة.
ويأتي الاتفاق في وقت تواجه فيه البنية الأمنية التي أقامتها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط ضغوطاً متزايدة. فقد اعتمدت واشنطن خلال السنوات الماضية على تعزيز التقارب بين إسرائيل ودول الخليج، واحتواء إيران، مع تقليص وجودها العسكري المباشر في المنطقة.
وتشير تقديرات محللين إلى أن أنقرة لا تسعى بالضرورة إلى استبدال الدور الأميركي، وإنما إلى توسيع خياراتها الأمنية ومنع تحول السياسات الأميركية التي تتمحور حول إسرائيل إلى عامل يعزل تركيا إقليمياً ودولياً.
وفي المقابل، يضع الاتفاق تركيا أمام مجموعة من المخاطر. فعضوية أنقرة في الناتو تفرض عليها حسابات دقيقة، بينما قد يؤدي الدخول في التزامات دفاعية جديدة إلى جرها إلى أزمات إقليمية لا تتطابق بالضرورة مع مصالحها أو التزاماتها الغربية.
كما أن حدود الالتزام الفعلي بين الدول الثلاث لم تُختبر بعد في مواجهة عسكرية حقيقية، ولا يزال من غير الواضح ما الذي سيحدث في حال تعرض إحدى الدول لهجوم، وما الآليات التي ستحدد طبيعة الرد وتوقيته وحجمه.
وتبرز كذلك مشكلة التباين السياسي الداخلي بين الدول الثلاث. فالتغييرات في الحكومات والقيادات والانتخابات يمكن أن تؤثر في مستوى الالتزام بالاتفاق على المدى الطويل، خصوصاً أن الشراكة لم تتحول بعد إلى بنية عسكرية متكاملة.
والاتفاق لا يحدد خصماً بعينه ولا يقدم تعريفاً واضحاً للتهديد الذي أنشئ لمواجهته، وهو ما يمنحه طابعاً دفاعياً وردعياً أكثر من كونه تحالفاً موجهاً ضد دولة محددة. ويرى محللون أن هذا الغموض مقصود، لأن تحديد عدو واضح كان سيجعل الاتفاق أكثر تصعيداً.
وتواجه أنقرة تحدياً إضافياً في علاقتها مع إيران. فتركيا تختلف مع طهران في عدد من الملفات الإقليمية، لكنها في الوقت ذاته تحافظ على قنوات سياسية ودبلوماسية معها. ولذلك سيكون عليها إقناع إيران بأن الاتفاق لا يستهدفها، وهي مهمة تزداد صعوبة في ظل المواجهة المتصاعدة بين إيران وإسرائيل.
كما يتعين على تركيا إدارة علاقاتها مع الإمارات، بالتزامن مع تعميق التعاون الأمني مع السعودية. ويزيد شراء أبوظبي منظومات دفاع جوي إسرائيلية من تعقيد الحسابات المتعلقة بتحديد طبيعة التهديدات المشتركة في الخليج.
ولا تتوقف طموحات الاتفاق عند الدول الثلاث. فقد طُرحت مصر باعتبارها مرشحاً محتملاً للتوسع، فيما أشارت تركيا إلى أن الاتفاق يمكن أن يفتح الباب أمام دول أخرى. ومن شأن توسيع العضوية أن يمنح الترتيب وزناً جغرافياً وعسكرياً أكبر، لكنه قد يضاعف في الوقت نفسه الخلافات السياسية وتضارب المصالح بين أعضائه المحتملين.
وتتجه الدول الثلاث إلى تطوير آليات سياسية وعسكرية أكثر انتظاماً، تشمل اجتماعات على مستوى وزراء الدفاع والخارجية وقادة القوات المسلحة، إضافة إلى تدريبات مشتركة في البر والبحر والجو، وتعاون في الدفاع الجوي والطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي وتطوير الصناعات الدفاعية.
وبذلك، يمنح «اتفاق مكة» تركيا فرصة لتعزيز نفوذها الأمني وإعادة صياغة موقعها في معادلات المنطقة، لكنه في الوقت ذاته يضعها أمام شبكة معقدة من الالتزامات والحساسيات مع إيران وإسرائيل والولايات المتحدة ودول الخليج.





