يمثل الحرس الثوري الإيراني أحد أعمدة النظام في طهران، بعد أن تحول خلال أكثر من أربعة عقود إلى قوة سياسية واقتصادية وأمنية واسعة النفوذ داخل البلاد، وأداة رئيسية في بناء النفوذ الإيراني خارج الحدود، خصوصاً من خلال فيلق القدس وشبكة الجماعات المسلحة والحلفاء التي دعمتها طهران في المنطقة.
وتبرز أهمية الحرس بصورة أكبر خلال الحرب الحالية، بعدما أصبح أحد الأهداف الرئيسية للهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران.
وتأسس الحرس الثوري في مارس/آذار 1979، بعد وقت قصير من الثورة التي أطاحت بالشاه محمد رضا بهلوي، بهدف حماية النظام السياسي الجديد وموازنة الجيش الإيراني الرسمي الذي كانت تربطه علاقات بالنظام الملكي السابق.
وقد تطور الحرس لاحقاً إلى مؤسسة عسكرية مستقلة تضم قوات برية وجوية وبحرية، إلى جانب فيلق القدس المسؤول عن العمليات الخارجية، وقوات الباسيج شبه العسكرية التي تضم متطوعين يعملون كقوة احتياطية.
وتشير تقديرات إلى أن عدد أفراد الحرس العاملين يتجاوز 150 ألفاً، إضافة إلى قوات الباسيج التي يتراوح عدد أفرادها بين 100 ألف ومليون متطوع بدوام جزئي، بينما يبلغ قوام الجيش الإيراني الرسمي نحو 600 ألف جندي.
ويمتلك الحرس الثوري أيضاً السيطرة على الصواريخ الباليستية الإيرانية، ويتولى حماية المنشآت النووية وأجزاء من الحدود الإيرانية.
ويمتد نفوذ الحرس داخل المجتمع الإيراني إلى مجالات تتجاوز المؤسسة العسكرية. فقد شغل عدد من قدامى الحرس مناصب عليا في الحكومة والبرلمان، كما أصبح للحرس نفوذ في قطاعات اقتصادية واسعة، فيما تنتشر قوات الباسيج في الأحياء والمدارس والجامعات للحفاظ على القيم الدينية المحافظة.
واتهمت هذه القوات بالمشاركة في قمع احتجاجات ومعارضات سياسية متعاقبة، بينها احتجاجات الطلاب عام 1999 والحركة الخضراء عام 2009 واحتجاجات السنوات الأخيرة.
وفي المقابل، لا يقتصر حضور الحرس على الجانب الأمني، إذ يقدم خدمات اجتماعية وفرص عمل في مناطق ريفية، كما شارك في عمليات الإغاثة بعد الكوارث الطبيعية، ما ساعده في بناء قاعدة من المؤيدين داخل شرائح من المجتمع الإيراني.
ويملك الحرس الثوري كذلك نفوذاً اقتصادياً كبيراً، بعدما حصل على مئات العقود الحكومية وتوسع في قطاعات صناعية مختلفة، فيما يسيطر على ما يقدر بنحو نصف الإيرادات المرتبطة بقطاع النفط الإيراني، ما وفر له موارد مالية ضخمة مكّنته من بناء شبكة مصالح ومحسوبية تدعم بقاء الجمهورية الإسلامية.
وقال الأستاذ في جامعة أوتاوا توماس جونو إن المصالح التجارية للحرس تسمح له وللمتعاطفين معه بتحقيق أرباح والوصول إلى أموال تمكنهم من شراء الولاءات وتهميش المنافسين، معتبراً أن هذه المصالح تجعل للحرس مصلحة راسخة في استمرار الجمهورية الإسلامية وشبكة المحسوبية التابعة لها.
وخارج إيران، لعب فيلق القدس دوراً محورياً في دعم شبكة من الجماعات التي تصفها طهران بأنها جزء من “محور المقاومة”، بينها حماس وحزب الله وأجزاء من الحشد الشعبي في العراق والحوثيون في اليمن. وقدمت إيران لهذه الجماعات التمويل والسلاح والدعم اللوجستي، فيما احتفظت كل جماعة بدرجات متفاوتة من الاستقلال عن طهران.
كما دعم الحرس الثوري نظام بشار الأسد في سوريا خلال الحرب الأهلية، وشكلت سوريا لسنوات ممراً مهماً لنقل الأسلحة الإيرانية إلى حزب الله في لبنان، قبل سقوط الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024.
وتعود جذور القوة التي اكتسبها الحرس إلى سنوات الحرب الإيرانية العراقية بين 1980 و1988، التي شكلت تجربة مركزية للقيادة الإيرانية الحالية.
وقال الأستاذ في جامعة جورج واشنطن سينا أزودي إن الحرب أسهمت في تشكيل عقلية الحرس، خصوصاً بسبب ما اعتبرته القيادة الإيرانية آنذاك دعماً دولياً واسعاً للعراق، وهو ما عزز قناعة طهران بضرورة امتلاك قدرات مستقلة للدفاع عن البلاد.
وبعد الحرب، كُلف الحرس بمهام إعادة الإعمار، ثم توسع نفوذه في عهد المرشد الأعلى علي خامنئي، بما في ذلك بناء جهاز استخباراتي ينافس وزارة الاستخبارات.
كما لعب قائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني دوراً محورياً في بناء الشبكة الإقليمية للحرس قبل اغتياله بضربة أمريكية في بغداد عام 2020.
وأدت العقوبات الدولية إلى عزل الحرس بدرجات مختلفة، إذ صنفته الولايات المتحدة منظمة إرهابية عام 2019، وحذت دول أخرى حذوها لاحقاً، بينها كندا والاتحاد الأوروبي، فيما اتخذت دول أوروبية أخرى خطوات مماثلة.
ودفع ذلك إيران إلى تعزيز علاقاتها مع دول تخضع بدورها للعقوبات الأمريكية، بينما اتجه الحرس إلى التعاون العسكري والاقتصادي مع روسيا وميانمار والصين، بما في ذلك بيع الأسلحة والنفط عبر قنوات تهدف إلى الالتفاف على العقوبات.
وتعرض الحرس خلال الحرب الحالية لضربات أمريكية وإسرائيلية واسعة طالت منشآته وقادته وقدراته الصاروخية والجوية والبحرية. وقال جونو إن الحرس تعرض لضربة قوية وإن جزءاً كبيراً من صواريخه وطائراته دُمر أو تضرر، لكنه أكد في الوقت نفسه أن القوة استعدت للحرب لعقود وما زالت تمتلك قدرات تمكنها من تهديد الملاحة في مضيق هرمز.
ويرى جونو أن الحرس، رغم الخسائر، لا يتجه إلى الاعتراف بالهزيمة، وأن خروجه من الحرب قد يرتبط بمحاولة تثبيت مكاسبه الجيوسياسية وتحويلها إلى ترتيبات جديدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج ومضيق هرمز.
ويعكس ذلك استمرار الحرس الثوري كأحد أبرز مراكز القوة داخل الجمهورية الإسلامية، ليس باعتباره مؤسسة عسكرية فقط، وإنما شبكة سياسية واقتصادية وأمنية تشكل جزءاً أساسياً من بنية النظام الإيراني.





