تكثّف المملكة العربية السعودية تحركاتها الدبلوماسية تجاه لبنان، عبر سلسلة اتصالات وزيارات رفيعة المستوى، في محاولة لتعزيز استقرار وقف إطلاق النار الهش بين إسرائيل وحزب الله، وتهيئة الأرضية لمسار سياسي أوسع يعالج الأزمة اللبنانية المتفاقمة.
وجاء التحرك السعودي في أعقاب التوصل إلى هدنة بين إسرائيل وحزب الله، حيث رحبت الرياض بالاتفاق وأشادت بما وصفته “الأدوار الإيجابية” لكل من الرئيس اللبناني جوزيف عون، ورئيس الوزراء نواف سلام، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، في تثبيت التهدئة.
وتعكس هذه المواقف عودة الزخم السعودي إلى الملف اللبناني بعد سنوات من الفتور، حيث تسعى الرياض إلى لعب دور محوري في تثبيت الاستقرار ومنع انزلاق البلاد إلى مواجهة أوسع، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.
وبدأت التحركات قبل إعلان الهدنة، عندما استضافت الرياض لقاءً جمع المبعوث السعودي إلى لبنان الأمير يزيد بن فرحان بالنائب اللبناني علي حسن خليل، أحد المقربين من نبيه بري. وتشير مصادر لبنانية إلى أن هذا اللقاء جاء بطلب سعودي، في إطار جهود تمهيدية لدفع الأطراف نحو التهدئة.
وتُظهر هذه الخطوة انخراطاً سعودياً مباشراً في قنوات التواصل مع أطراف لبنانية مرتبطة بحزب الله، في محاولة لتقريب وجهات النظر واحتواء التصعيد، رغم التباينات السياسية العميقة.
وقد تواصلت الجهود عبر اتصال هاتفي بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس اللبناني جوزيف عون، حيث جددت الرياض دعمها للبنان واستعداده لمساندته في تجاوز المرحلة الراهنة، سياسياً واقتصادياً.
وتزامن هذا الاتصال مع زيارة ميدانية للأمير يزيد بن فرحان إلى بيروت، حيث أجرى سلسلة لقاءات مع القيادات اللبنانية، ركزت على تثبيت وقف إطلاق النار وتعزيز الاستقرار الداخلي، إضافة إلى بحث سبل دعم الدولة اللبنانية في مواجهة التحديات الراهنة.
وجاءت هذه التحركات بالتوازي مع جولة ثانية من المحادثات اللبنانية الإسرائيلية التي استضافتها واشنطن، بحضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي أسفرت عن تمديد وقف إطلاق النار لمدة ثلاثة أسابيع، في خطوة تعكس استمرار الجهود الدولية والإقليمية لاحتواء التصعيد.
وناقش المسؤولون السعوديون خلال لقاءاتهم في بيروت ضرورة الحفاظ على السلم الأهلي، وأهمية تنفيذ اتفاق الطائف كمرجعية أساسية لتنظيم الحياة السياسية في البلاد، وسط دعوات لإعادة تفعيل مؤسسات الدولة وتعزيز دورها.
ويكتسب اتفاق الطائف أهمية خاصة في هذا السياق، كونه الإطار الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية وأعاد توزيع السلطة السياسية، إلا أن التحديات الحالية تضعه أمام اختبار جديد في ظل التحولات الإقليمية والداخلية.
ويأتي التحرك السعودي ضمن مقاربة أوسع تهدف إلى إعادة التوازن إلى الساحة اللبنانية، في ظل تراجع نفوذ حزب الله نسبياً وتصاعد الدعوات الداخلية لحصر السلاح بيد الدولة.
وتدفع هذه التطورات الحكومة اللبنانية إلى اتخاذ خطوات أكثر جرأة، من بينها فرض قيود على الأنشطة العسكرية للحزب، في تحول يعكس تغيراً في موازين القوى الداخلية، ويزيد من حساسية المرحلة الحالية.
وترى مصادر حكومية لبنانية أن التحرك السعودي يشكل جزءاً من تسوية إقليمية قيد التشكل، تسعى إلى ضبط الإيقاع في لبنان ومنع تحوله إلى ساحة مفتوحة للصراعات.
وتشير هذه المصادر إلى أن الرياض تفضل إدارة التطورات بشكل استباقي، بدلاً من التعامل مع نتائج التصعيد.
وتعكس هذه السياسة عودة الاهتمام السعودي بلبنان بعد انتخاب جوزيف عون رئيساً وتشكيل حكومة برئاسة نواف سلام، إضافة إلى بدء نقاشات جدية حول مستقبل سلاح حزب الله، وهي عوامل أسهمت في إعادة فتح قنوات التواصل بين الجانبين.
ورغم التباينات، تحافظ السعودية على نهج يقوم على دعم التوازن الطائفي في لبنان، مع تجنب الانخراط في الاستقطابات الداخلية، وهو ما يمنح تحركاتها بعداً سياسياً يتجاوز الحسابات التقليدية.
وتشير التطورات إلى أن الدور السعودي مرشح للتصاعد خلال المرحلة المقبلة، في ظل تداخل المسارات الأمنية والسياسية، ما يجعل لبنان ساحة مركزية في أي تفاهمات إقليمية قادمة، وسط ترقب لمدى قدرة هذه الجهود على تثبيت الهدنة وتحويلها إلى تسوية مستدامة.





