مصر توسّع تحركاتها في أفريقيا لعزل إثيوبيا والضغط في ملف سد النهضة

الرئيس السيسي

شارك

تتحرك مصر بشكل متسارع على الساحة الأفريقية عبر حملة دبلوماسية وعسكرية واسعة، في محاولة لتعزيز موقفها في النزاع مع إثيوبيا حول مياه نهر النيل، وسط مؤشرات على تصاعد التوتر الإقليمي وتداخل الحسابات الجيوسياسية في القارة.

وتكشف معطيات ميدانية أن القاهرة كثّفت انخراطها في منطقة القرن الأفريقي، مع توسيع نطاق تحركاتها ليشمل دولاً أخرى في القارة، في إطار استراتيجية تهدف إلى محاصرة النفوذ الإثيوبي والحد من قدرته على فرض أمر واقع في ملف سد النهضة.

وتشير مصادر ومحللون إلى أن مصر تسعى لحشد دعم إقليمي ودولي ضد سياسات أديس أبابا، خاصة في ما يتعلق بتشغيل السد دون اتفاق قانوني ملزم مع دولتي المصب، وهو ما تعتبره القاهرة تهديداً مباشراً لأمنها المائي.

وتعزز القاهرة حضورها العسكري في المنطقة، حيث نشرت ما يصل إلى 15 ألف جندي في الصومال ضمن مهام حفظ سلام وتدريب، إلى جانب سيطرتها على منشآت عسكرية في إريتريا وجيبوتي، ما يمنحها موقعاً استراتيجياً يحد من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى البحر الأحمر.

وتكتسب هذه الخطوات أهمية خاصة في ظل سعي إثيوبيا لتأمين منفذ بحري، حيث تعتمد بشكل كبير على موانئ الدول المجاورة، وعلى رأسها ميناء دوراله في جيبوتي. وتعمل مصر على تعزيز نفوذها في هذه الموانئ عبر اتفاقيات تطوير وتشغيل، ما يضع ضغوطاً إضافية على أديس أبابا.

وتمتد التحركات المصرية إلى السودان، حيث دعمت القاهرة الجيش السوداني في صراعه الداخلي، في وقت أبرمت فيه اتفاقيات تعاون عسكري مع دول أفريقية مثل كينيا وأوغندا، ضمن مسعى لبناء شبكة تحالفات إقليمية داعمة لموقفها.

ويرتبط هذا التحرك أيضاً بمخاوف مصرية من تنامي النفوذ الإسرائيلي في أفريقيا، حيث ترى القاهرة أن تل أبيب تسعى لتعزيز وجودها في مناطق استراتيجية جنوب البحر الأحمر، ودعم إثيوبيا في حال تطور النزاع إلى مواجهة أوسع.

وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه العلاقات بين مصر وإسرائيل توتراً متزايداً على خلفية الحرب في غزة، رغم استمرار معاهدة السلام بين البلدين منذ عام 1979، ما يضيف بعداً إضافياً للتنافس الإقليمي في أفريقيا.

ويتمسك الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بموقف حازم تجاه سد النهضة، واصفاً إياه بأنه “تهديد وجودي” لمصر، التي تعتمد بشكل شبه كامل على مياه النيل لتلبية احتياجاتها. وأكد أن القاهرة لن تتهاون في حماية مصالحها المائية.

في المقابل، ترفض إثيوبيا أي تدخل خارجي في تشغيل السد، وتؤكد أنه مشروع سيادي لن يلحق ضرراً بدول المصب، ما يعكس استمرار الجمود في المفاوضات التي امتدت لأكثر من عقد دون نتائج ملموسة.

ويتجاوز النزاع الإطار الفني ليأخذ أبعاداً سياسية وإقليمية أوسع، حيث تتهم إثيوبيا مصر بمحاولة تقويض نفوذها في أفريقيا ودعم حركات معارضة داخلها، بينما تنفي القاهرة هذه الاتهامات وتؤكد التزامها بالتعاون الإقليمي.

وتشير التقديرات إلى أن احتمالات التصعيد العسكري، سواء بشكل مباشر أو عبر حروب بالوكالة، لا تزال قائمة، خاصة مع تصاعد التوتر بين إثيوبيا وإريتريا، الحليف الإقليمي لمصر، ما قد يجر القاهرة إلى صراع أوسع في حال تفاقمت الأوضاع.

في سياق موازٍ، تعمل مصر على تعزيز نفوذها في القارة عبر أدوات القوة الناعمة، بما في ذلك التدريب العسكري وتبادل الخبرات، إلى جانب توسيع العلاقات الاقتصادية والتجارية مع عدد من الدول الأفريقية.

وتشمل هذه الجهود صفقات تسليح واتفاقيات تعاون مع دول مثل نيجيريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وبوركينا فاسو وبوروندي والجزائر والمغرب، إضافة إلى برامج تدريبية تستهدف كوادر عسكرية وأمنية من مختلف أنحاء القارة.

وتعكس هذه التحركات محاولة مصرية لاستعادة دورها التاريخي في أفريقيا بعد سنوات من التراجع، وبناء شبكة نفوذ قادرة على موازنة الحضور الإثيوبي المتنامي، خاصة مع احتضان أديس أبابا لمقر الاتحاد الأفريقي.

وتشير المعطيات إلى أن القاهرة تسعى من خلال هذه الاستراتيجية إلى فرض واقع جديد في ميزان القوى الإقليمي، يدعم موقفها التفاوضي في ملف المياه، ويمنحها أوراق ضغط إضافية في مواجهة إثيوبيا.

وتضع هذه التطورات القارة الأفريقية أمام مرحلة من التنافس الجيوسياسي المتزايد، حيث تتداخل المصالح الإقليمية والدولية، ما يجعل النزاع حول مياه النيل جزءاً من معادلة أوسع تتعلق بالنفوذ والسيطرة في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم.

شارك

Facebook
X
WhatsApp
LinkedIn
Telegram
Email

قد يعجبك أيضاً