تتجه الولايات المتحدة نحو أزمة مالية متصاعدة في ظل تجاهل سياسي واضح لتفاقم العجز والدين العام، مع استمرار الإنفاق الحكومي دون قيود حقيقية رغم التحذيرات المتزايدة من مخاطر طويلة الأمد.
وتُظهر التقديرات أن العجز الفيدرالي سيبقى عند نحو 6% من الناتج المحلي الإجمالي سنويًا خلال العقد المقبل، وفق بيانات مكتب الميزانية في الكونغرس، وهو مستوى تاريخي لا يُسجَّل عادة إلا في فترات الحروب أو الأزمات الاقتصادية الكبرى.
وتعكس هذه الأرقام واقعًا ماليًا ضاغطًا، حيث يُتوقع أن يرتفع الدين العام إلى نحو 120% من الناتج المحلي بحلول عام 2036، مقارنةً بنحو 100% حاليًا، ما يضع الاقتصاد الأمريكي أمام مسار تصاعدي محفوف بالمخاطر.
ويأتي هذا التدهور في وقت تواصل فيه الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب الدفع نحو زيادة الإنفاق، من خلال طلب 200 مليار دولار إضافية لتمويل الحرب مع إيران وتعويض المخزون العسكري المستنزف.
ويتزامن ذلك مع غياب أي خطوات ملموسة لضبط الإنفاق الفيدرالي على المدى الطويل، بعد انتهاء القيود المؤقتة على الإنفاق التي تم الاتفاق عليها سابقًا دون تمديدها.
ويشير مراقبون إلى أن السياسات الضريبية الأخيرة ساهمت في تعميق الأزمة، حيث أدت تخفيضات ضريبية واسعة إلى زيادة العجز التراكمي بنحو 3.4 تريليون دولار خلال عقد واحد، دون موازنتها بإجراءات تقشفية حقيقية.
وتتفاقم الضغوط المالية مع ارتفاع تكاليف خدمة الدين، التي يُتوقع أن تتجاوز 2 تريليون دولار سنويًا بحلول 2036، ما يشكل عبئًا غير مسبوق على الموازنة العامة.
وتتزامن هذه التطورات مع بيئة اقتصادية مختلفة جذريًا عن العقد الماضي، حيث ارتفعت معدلات التضخم واستقرت أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة، ما يزيد من كلفة الاقتراض ويحد من قدرة الحكومة على المناورة.
ويحذر خبراء من اقتراب أزمة نظام الضمان الاجتماعي، مع توقع نفاد موارده بحلول عام 2032، ما قد يؤدي إلى تخفيضات حادة في المدفوعات إذا لم يتم التوصل إلى حلول تشريعية عاجلة.
ورغم هذه المؤشرات، يستمر الخطاب السياسي في واشنطن بالتعامل مع الوضع وكأنه قابل للاستمرار، مع طرح مقترحات جديدة لخفض الضرائب حتى من داخل الحزب الديمقراطي، بما يزيد من الضغوط على الإيرادات الحكومية.
وتعكس هذه السياسات حالة انفصال بين الواقع المالي وصنع القرار، حيث يتم تأجيل معالجة الاختلالات الهيكلية لصالح اعتبارات سياسية قصيرة الأمد.
وتشير تحليلات إلى أن مرحلة “اللامبالاة بالعجز” التي سادت في العقد الماضي انتهت فعليًا، لكن السلوك السياسي لم يتكيف مع هذا التحول، ما يزيد من احتمالات تفاقم الأزمة.
وتؤكد شخصيات اقتصادية بارزة أن غياب النقاش الجدي حول إصلاح المالية العامة يفاقم المخاطر، في ظل استمرار اتخاذ قرارات تزيد من العجز بدل الحد منه.
وتخلص التقديرات إلى أن استمرار هذا المسار قد يقود إلى أزمة مالية حادة، مع تداعيات تمتد إلى الاقتصاد العالمي، في حال فقدت الأسواق الثقة بقدرة الولايات المتحدة على إدارة ديونها.





