باتت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للحرب ضد إيران نموذجاً للفوضى السياسية وغياب التخطيط، في ظل عجز واضح عن تحديد أهداف قابلة للتحقيق أو رسم مسار لإنهاء الصراع، وفق افتتاحية نشرتها The New York Times.
ورأت الصحيفة أن ترامب خاض الحرب دون تقديم استراتيجية واضحة للشعب الأمريكي أو لحلفائه، ما يعكس غياب تصور حقيقي لإدارة المواجهة، سواء على مستوى إسقاط النظام الإيراني أو حتى تحقيق أهداف أكثر محدودية مثل السيطرة على البرنامج النووي.
وأشارت إلى أن مرور أسابيع على اندلاع الحرب لم يغير هذا الواقع، حيث لا تزال الإدارة الأمريكية عاجزة عن تقديم خطة موثوقة، في وقت بدأت فيه تداعيات الصراع تضرب الاقتصاد العالمي عبر اضطراب إمدادات النفط وارتفاع الأسعار.
وأكدت أن الحرب كشفت نمط إدارة يعتمد على القرارات الفردية والارتجال، مع تقليص دائرة المشورة وتجاهل الآراء المعارضة، ما أدى إلى إطلاق مواقف متناقضة وتضليل في عرض الوقائع، بما في ذلك التقليل من آثار الضربات التي أوقعت ضحايا مدنيين.
ورغم ذلك، لفتت الصحيفة إلى أن بعض النتائج التكتيكية تحققت، مشيرة إلى أن إيران تعرضت لضغوط كبيرة خلال السنوات الماضية، سواء عبر العقوبات أو الضربات العسكرية، ما أدى إلى إضعاف قدراتها الإقليمية.
لكنها شددت على أن هذه النجاحات لا ترتبط بأي استراتيجية متماسكة، بل جاءت في سياق أوسع سبق الحرب الحالية، ولا يمكن البناء عليها لتحقيق أهداف كبرى مثل تغيير النظام.
وأوضحت أن تصريحات ترامب حول “تحرير إيران” أو فرض استسلام غير مشروط للنظام تعكس طموحات غير واقعية، في ظل غياب أدوات عملية لتحقيقها، ما يعمّق الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني.
وبيّنت أن الإدارة الأمريكية وقعت في خطأ استراتيجي متكرر، يتمثل في الاعتقاد بأن تغيير الأنظمة يمكن تحقيقه بسهولة عبر القوة العسكرية، رغم تجارب سابقة في العراق وأفغانستان أثبتت عكس ذلك.
كما أشارت إلى غياب خطة واضحة للتعامل مع البرنامج النووي الإيراني، حيث لا يزال مخزون اليورانيوم عالي التخصيب خارج السيطرة، ما يترك الباب مفتوحاً أمام طهران لتطوير سلاح نووي، خاصة في ظل الضغوط العسكرية المتزايدة.
ولفتت إلى التناقض داخل الإدارة، حيث أقر مسؤولون بأن السيطرة على هذه المواد تتطلب تدخلاً برياً، بينما تجاهل ترامب هذا الخيار دون تقديم بديل عملي، ما يعكس تخبطاً في إدارة أحد أخطر ملفات الصراع.
وأكدت الصحيفة أن التأثير الاقتصادي للحرب كان متوقعاً، خاصة مع إمكانية تعطيل مضيق هرمز، إلا أن الإدارة الأمريكية فشلت في الاستعداد لهذا السيناريو، رغم تحذيرات مسبقة من مسؤولين عسكريين.
وأشارت إلى أن ارتفاع أسعار النفط بأكثر من 40% يعكس حجم الخطأ في تقدير رد الفعل الإيراني، في وقت لجأ فيه ترامب إلى خطوات متناقضة، من بينها تخفيف العقوبات على روسيا، ومحاولة طلب دعم دول كان ينتقدها سابقاً لتأمين الملاحة.
وبيّنت أن هذه التحركات تعكس حالة ارتباك في إدارة الأزمة، حيث انتقلت واشنطن من موقع المبادرة إلى محاولة احتواء تداعيات لم تكن مستعدة لها.
ولفتت إلى أن الإدارة لم تسعَ للحصول على موافقة الكونغرس، ولم تنسق بشكل كافٍ مع الحلفاء، ما يضعف شرعية الحرب ويزيد من تعقيد إدارتها على المستوى الدولي.
وأوضحت أن بعض السيناريوهات الإيجابية لا تزال ممكنة، مثل إضعاف النظام الإيراني أو احتواء البرنامج النووي، إلا أن المؤشرات الحالية لا تدعم هذه التوقعات في ظل غياب التخطيط.
واختتمت الصحيفة بالقول إن الحرب كشفت حدود قدرة ترامب على إدارة الأزمات الكبرى، حيث قد ينجح أسلوبه في السياسة أو الإعلام، لكنه يواجه واقعاً أكثر صلابة في الحروب، التي لا يمكن التلاعب بنتائجها أو التحكم بمسارها بسهولة.





