صراع أوروبي مع وول ستريت على مستقبل تداول الأسهم داخل الاتحاد الأوروبي

شارك

تشهد أسواق المال الأوروبية مواجهة متصاعدة بين البورصات الوطنية وكبرى البنوك الاستثمارية العالمية، في معركة تتجاوز تنظيم تداول الأسهم إلى رسم مستقبل النظام المالي الأوروبي، بالتزامن مع تحرك سياسي واسع لإنشاء سوق مالية موحدة تنافس الأسواق الأمريكية وتعزز قدرة الشركات الأوروبية على جذب الاستثمارات.

وتكثف البورصات الأوروبية ضغوطها على حكومات الاتحاد الأوروبي ووزراء المالية لإقرار إصلاحات تشريعية تحد من توسع التداولات التي تجري خارج المنصات العامة، معتبرة أن استمرار هذا الاتجاه يهدد مستقبلها ويقوض شفافية الأسواق المالية.

ويأتي هذا التحرك قبيل اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي لمناقشة الجدول الزمني لإصلاحات الأسواق المالية، التي تشمل قواعد جديدة لتنظيم تداول الأسهم وآليات الرقابة على الأسواق.

وفي المقابل، تصعد البنوك الاستثمارية الكبرى، وعلى رأسها مؤسسات مالية أمريكية مثل غولدمان ساكس وجي بي مورغان، حملة مضادة لعرقلة أي تشريعات قد تفرض قيودًا على أنشطة التداول الخاصة بها، معتبرة أن القضية لا تتعلق بخلل في الأسواق، بل بصراع على النفوذ بين المؤسسات المالية.

وتندرج هذه المواجهة ضمن مشروع أوروبي أوسع يهدف إلى بناء سوق مالية موحدة شبيهة بالسوق الأمريكية، في إطار مساعٍ استمرت سنوات لتسهيل تمويل الشركات الأوروبية وتشجيع المستثمرين على توجيه مدخراتهم إلى الأسواق المالية بدلاً من الاحتفاظ بها في صورة نقدية.

وترى المفوضية الأوروبية أن تعزيز أسواق رأس المال يمثل أحد المفاتيح الأساسية لدعم الاقتصاد الأوروبي، خاصة في ظل الحاجة إلى استثمارات ضخمة تقدر بنحو تريليون يورو سنويًا لتمويل التحول الاقتصادي والتكنولوجي وتعزيز القدرة التنافسية أمام الولايات المتحدة والصين.

ويتركز الخلاف الحالي حول ما يعرف بالتداولات الخاصة أو “الداخلية”، وهي عمليات بيع وشراء الأسهم التي تتم خارج البورصات العامة عبر منصات تديرها البنوك الاستثمارية لصالح كبار المستثمرين ومديري الصناديق.

وتسمح هذه المنصات بإتمام صفقات ضخمة بعيدًا عن الأسواق المفتوحة، بما يتيح للمستثمرين تنفيذ عملياتهم بسرية أكبر دون التأثير المباشر في أسعار الأسهم، في مقابل حصول البنوك على عوائد من فروق الأسعار بين البيع والشراء.

غير أن البورصات الأوروبية ترى أن هذا النموذج أدى إلى تحويل جزء متزايد من التداولات بعيدًا عن الأسواق المنظمة، الأمر الذي انعكس على حصتها من عمليات التداول.

وتشير البيانات إلى أن نسبة التداولات المنفذة عبر هذه المنصات الخاصة ارتفعت من نحو 5% إلى 10% بين عامي 2022 و2025، في حين تراجعت حصة البورصات العامة من تداول الأسهم خلال الفترة نفسها من 39% إلى 26%.

وتطالب البورصات بإلزام البنوك بإعادة جزء أكبر من عمليات التداول إلى الأسواق المفتوحة، إلى جانب تشديد متطلبات الشفافية والإفصاح عن العمليات المنفذة داخل أنظمة التداول الخاصة.

في المقابل، تؤكد البنوك الاستثمارية أن هذه المنصات تؤدي دورًا مهمًا في جذب المستثمرين وتعزيز السيولة داخل الأسواق الأوروبية، معتبرة أن حصتها الحالية لا تشكل تهديدًا لعمل البورصات.

ويرى ممثلو القطاع المصرفي أن تقييد هذه الخدمات سيقلل من جاذبية الأسواق الأوروبية أمام المستثمرين العالميين، خاصة المؤسسات المالية التي تحتاج إلى تنفيذ صفقات كبيرة بعيدًا عن تقلبات الأسواق العامة.

ويأتي هذا الخلاف بعد أقل من عامين على تسوية نزاع سابق بين الجانبين بشأن إنشاء نظام أوروبي موحد لنشر بيانات تداول الأسهم، والذي انتهى بتبني صيغة وسط تتيح عرض بيانات الأسعار قبل تنفيذ الصفقات، رغم اعتراض البورصات التي كانت تعتبر هذه المعلومات جزءًا من نموذجها التجاري.

ولا يقتصر الجدل على الاتحاد الأوروبي، إذ تشهد المملكة المتحدة نقاشًا مماثلًا حول قواعد تداول الأسهم، مع اتجاه الجهات التنظيمية البريطانية إلى اعتماد آليات مشابهة لنشر بيانات التداول، رغم اعتراضات بورصة لندن.

ويكتسب هذا الملف أهمية متزايدة بالنسبة لصناع القرار الأوروبيين في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة، حيث تسعى بروكسل إلى تعبئة المدخرات الأوروبية، التي تقدر بنحو 11 تريليون يورو، وتحويلها إلى استثمارات طويلة الأجل تسهم في تمويل الشركات الناشئة والمشروعات الصناعية والتكنولوجية.

وفي هذا السياق، تمكنت البورصات الأوروبية من تحقيق تقدم سياسي أولي بعدما نجحت في إقناع أكبر ستة اقتصادات داخل الاتحاد الأوروبي بدعم إدراج إصلاحات ضمن مشروع قانون تنظيم الأسواق المالية، تلزم البنوك الاستثمارية بتقديم بيانات أكثر تفصيلًا حول التداولات المنفذة خارج البورصات.

ويرى مراقبون أن نتيجة هذه المواجهة ستحدد شكل أسواق المال الأوروبية خلال السنوات المقبلة، كما ستؤثر في قدرة الاتحاد الأوروبي على بناء سوق مالية أكثر تكاملًا وجاذبية للاستثمارات، في ظل المنافسة المتزايدة مع المراكز المالية العالمية، وعلى رأسها وول ستريت.

شارك

Facebook
X
WhatsApp
LinkedIn
Telegram
Email

قد يعجبك أيضاً