مسيرات إيران الليلية تكشف مشهداً داخلياً معقداً بين رفض التدخل الخارجي واتساع الانقسامات

المسيرات الليلية المؤيدة للحكومة الإيرانية

شارك

كشفت المسيرات الليلية المؤيدة للحكومة الإيرانية، التي خرجت منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، عن مشهد داخلي يجمع بين تصاعد الشعور الوطني الرافض للتدخل الخارجي واستمرار الانقسامات السياسية العميقة داخل المجتمع الإيراني.

وتحوّلت الساحات الرئيسية في العاصمة طهران ومدن إيرانية أخرى منذ منتصف مارس/آذار إلى نقاط تجمع شبه يومية لمواطنين يرفعون الأعلام الإيرانية ويرددون شعارات ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، وسط أجواء تعكس تأثير الحرب على المزاج الشعبي داخل البلاد.

وتأتي هذه التحركات بعد بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/شباط، وما تبعها من تصعيد عسكري ودبلوماسي دفع قطاعات من الإيرانيين إلى اعتبار المواجهة قضية مرتبطة بمستقبل الدولة وليس مجرد خلاف سياسي مع الحكومة.

وقال محسن، وهو أحد المشاركين في المسيرات، إن خروجه المتكرر إلى الشوارع جاء بسبب مخاوفه من تكرار سيناريوهات دول تعرضت للحروب والتدخلات الخارجية.

وأضاف أن بقاء المواطنين داخل المنازل قد يفتح الطريق أمام تدخل خارجي يحول إيران إلى نموذج مشابه لسوريا أو العراق أو أفغانستان أو ليبيا، مؤكداً أن المشاركين يريدون إرسال رسالة بأنهم يرفضون دخول أي قوة أجنبية إلى بلادهم.

واستمرت التجمعات رغم انقطاع الإنترنت على مستوى البلاد خلال فترات من الأزمة، كما تواصلت بعد رفع القيود جزئياً.

ولم تخف السلطات الإيرانية دعمها لهذه المسيرات، إذ يجري إغلاق بعض الطرق المؤدية إلى مواقع التجمع، مع انتشار الشرطة وتجهيز منصات ومكبرات صوت قبل وصول المشاركين.

وتصف وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية هذه التحركات بأنها تعبير شعبي عن وحدة البلاد في مواجهة التهديدات الخارجية، بينما يرى منتقدون أنها لا تعكس كامل المزاج الإيراني.

وقال حسام، وهو من سكان طهران، إنه قرر حضور عدد من المسيرات بعد متابعته تغطيتها الإعلامية، لكنه رأى أن نسبة كبيرة من المشاركين تنتمي إلى التيارات المحافظة أو قوات الباسيج أو الجهات المؤيدة للحرس الثوري.

واعتبر أن السماح لمعارضي الحكومة بتنظيم تجمعات مشابهة قد يكشف صورة مختلفة لحجم الانقسامات داخل المجتمع الإيراني.

لكن الحرب ساهمت في تغيير مواقف بعض الإيرانيين الذين كانوا ينتقدون السلطات.

وقالت منى، وهي من سكان طهران، إنها ظلت لسنوات تعارض سياسات الحكومة الداخلية، لكنها ترى أن الصراع مع قوى خارجية يفرض حسابات مختلفة.

وأضافت أن الخلافات الداخلية لا تعني دعم تدخل خارجي قد يؤدي إلى تدمير البلاد، مشيرة إلى أن كثيرين ينظرون إلى تجارب غزة ولبنان وسوريا باعتبارها أمثلة على مخاطر الحروب الممتدة.

في المقابل، يرى معارضون لهذه المسيرات أنها تسببت في تعطيل الحياة اليومية، خصوصاً للسكان القريبين من أماكن التجمعات.

وقال مسعود، وهو من سكان وسط طهران، إن استمرار المظاهرات الليلية لأشهر تسبب في إرهاق السكان بسبب مكبرات الصوت وإغلاق الشوارع والضجيج المتكرر.

وعلى المستوى السياسي، كشفت المسيرات أيضاً عن خلافات داخل المعسكر المحافظ نفسه، خاصة بشأن المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة.

ورغم دعم القيادة الإيرانية للمسار الدبلوماسي، تواصل تيارات متشددة رفض أي تفاوض مع واشنطن، معتبرة أن المواجهة يجب أن تستمر حتى تحقيق الأهداف الإيرانية.

وقال مهدي، وهو عضو في قوات الباسيج، إن المفاوضات مع الولايات المتحدة تمثل خطأ سياسياً، معتبراً أن المسيرات يجب أن توجه رسالة ليس فقط للخارج، بل أيضاً للمسؤولين الإيرانيين المشاركين في الاتصالات الدبلوماسية.

في المقابل، دعا مسؤولون إيرانيون إلى الحفاظ على الوحدة الداخلية ومنع تحول الخلافات السياسية إلى انقسامات أعمق خلال مرحلة الحرب.

ويرى مراقبون أن المشهد الإيراني الحالي يعكس معادلة معقدة؛ إذ تسببت الضغوط الخارجية في تعزيز خطاب الدفاع الوطني لدى شرائح واسعة، لكنها لم تلغ الخلافات القديمة بشأن السياسات الداخلية ومستقبل علاقة طهران بالغرب.

وبين استمرار التعبئة الشعبية ومحاولات التفاوض، تبقى الشوارع الإيرانية مساحة تكشف حجم التأييد والمعارضة والتوترات السياسية التي ترافق واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ البلاد الحديث.

شارك

Facebook
X
WhatsApp
LinkedIn
Telegram
Email

قد يعجبك أيضاً