قالت وكالة بلومبيرغ إن التنافس المتصاعد بين السعودية والإمارات لم يعد يقتصر على الملفات السياسية والإقليمية، بل امتد إلى قطاع المال والاستثمار العالمي، الأمر الذي يدفع المؤسسات المالية الدولية إلى إعادة النظر في الطريقة التي تتعامل بها مع أسواق الخليج، بعد سنوات من اعتبارها المنطقة كتلة استثمارية واحدة ذات أولويات متشابهة.
وذكرت الوكالة أن البنوك العالمية وصناديق الاستثمار باتت تواجه واقعًا مختلفًا مع تصاعد التباين في المصالح الاقتصادية والاستراتيجية بين الرياض وأبوظبي، إضافة إلى تداعيات التوترات الإقليمية والحرب مع إيران، وهو ما أدى، بحسب التقرير، إلى تغيير كثير من الافتراضات التقليدية التي حكمت تعامل المؤسسات المالية مع دول الخليج.
وأوضحت بلومبيرغ أن المؤسسات المالية اعتادت لسنوات النظر إلى دول الخليج باعتبارها مصدرًا موحدًا لرؤوس الأموال الضخمة، يمكن مخاطبته بعروض استثمارية متشابهة، إلا أن هذا النهج لم يعد ملائمًا في ظل اختلاف أولويات كل دولة واستراتيجياتها الاقتصادية.
ورأت الوكالة أن قطاع المال العالمي يتحمل جزءًا من مسؤولية هذا الواقع، لأنه تعامل مع الصناديق السيادية الخليجية باعتبارها تمتلك أهدافًا متطابقة، متجاهلًا أن لكل دولة مصالحها الوطنية واستراتيجيتها الاستثمارية الخاصة.
وأضاف التقرير أن الاعتقاد السائد بأن السعودية والإمارات وقطر تمثل أسواقًا متشابهة شجع العديد من البنوك ومديري الأصول على تقديم صفقات موحدة، دون مراعاة الاختلافات في أولويات كل مستثمر أو متطلبات كل اقتصاد.
وأشار إلى أن هذا التصور انعكس بوضوح في الصفقات الكبرى التي أبرمت خلال السنوات الماضية، ومن أبرزها صندوق “فيجن فند” الذي أطلقته مجموعة سوفت بنك عام 2017، حيث وفرت الصناديق السيادية السعودية والإماراتية نحو 60% من رأسماله البالغ 100 مليار دولار.
لكن الوكالة لفتت إلى أن هذا النموذج لم يستمر طويلًا، إذ لم يشارك صندوق الاستثمارات العامة السعودي ولا شركة مبادلة للاستثمار في أبوظبي في تمويل النسخة الثانية من الصندوق، في إشارة إلى تغير توجهات الاستثمار لدى الطرفين.
وأضافت أن الصناديق السيادية الخليجية، إلى جانب جهاز قطر للاستثمار، بدأت منذ عام 2023 الابتعاد عن ضخ الأموال في استثمارات مفتوحة أو مشاريع ذات طابع استعراضي، مفضلة توجيه استثماراتها نحو مشاريع تحقق أهدافًا اقتصادية واستراتيجية ترتبط مباشرة بأولوياتها الوطنية.
وبحسب بلومبيرغ، تركز السعودية بصورة متزايدة على الاستثمارات التي تدعم خطط تنويع الاقتصاد بعيدًا عن النفط، وتسهم في خلق فرص عمل، وتساعد في نقل التكنولوجيا وبناء الصناعات المحلية ضمن برامج التحول الاقتصادي.
في المقابل، تسعى الإمارات، وفق التقرير، إلى الاستثمار في منصات وشركات عالمية تعزز موقعها كمركز اقتصادي وتجاري عالمي، وتدعم استراتيجيتها الرامية إلى الحفاظ على دورها المحوري في الاقتصاد الدولي حتى بعد تراجع الاعتماد على النفط.
أما قطر، فتواصل توظيف استثماراتها الخارجية، بحسب الوكالة، لتحقيق توازن أكبر في مواجهة تقلبات أسواق الطاقة، إلى جانب تعزيز نفوذها الاقتصادي والسياسي على المستوى الدولي.
وأوضحت بلومبيرغ أن هذا الاختلاف في الأهداف ينعكس حتى على تقييم الصفقات الاستثمارية، مستشهدة بمثال مشاريع مراكز البيانات، حيث تنظر السعودية إلى قدرتها على بناء خبرات محلية، بينما تركز الإمارات على دورها في تعزيز سلاسل الإمداد العالمية، في حين تقيّمها قطر من زاوية قدرتها على الصمود أمام الأزمات الجيوسياسية والاقتصادية.
وأضاف التقرير أن المنافسة بين الرياض وأبوظبي على استقطاب المقرات الإقليمية للمؤسسات المالية العالمية لا ترتبط فقط بالاعتبارات الرمزية، وإنما تمثل جزءًا من سباق اقتصادي يهدف إلى جذب الاستثمارات وربطها باستراتيجيات التنمية الوطنية لكل دولة.
كما أشارت الوكالة إلى أن المشهد الاستثماري الخليجي بات أكثر تعقيدًا، ليس فقط بسبب اختلاف سياسات الحكومات، بل أيضًا نتيجة تعدد مصادر رؤوس الأموال داخل كل دولة، بما في ذلك الشركات العائلية والمستثمرون الأفراد، الذين يمتلكون أولويات واستراتيجيات تختلف في بعض الأحيان عن الصناديق السيادية.
ونقلت بلومبيرغ عن ديفيد بترايوس، الشريك في شركة KKR والقائد السابق للجيش الأمريكي، قوله إن المستثمرين الخليجيين لا يمكن التعامل معهم باعتبارهم مجموعة واحدة، لأن لكل مستثمر شخصيته وأهدافه المختلفة.
ورأت الوكالة أن التباعد المتزايد بين السعودية والإمارات يمثل رسالة واضحة للمؤسسات المالية العالمية بضرورة التخلي عن الصور النمطية القديمة في تصميم الصفقات الاستثمارية، والعمل بدلًا من ذلك على فهم احتياجات كل مستثمر بصورة منفصلة.
وأضاف التقرير أن الاستثمارات التي تقوم على أسس مالية قوية وتلبي المصالح الوطنية لكل طرف ستكون أكثر قدرة على الصمود حتى في حال تدهور العلاقات السياسية بين الدول، بينما ستصبح الصفقات العامة وغير المصممة وفق احتياجات محددة أكثر عرضة للفشل.
وأكدت بلومبيرغ أن المرحلة المقبلة ستفرض على البنوك وشركات إدارة الأصول تقديم عروض أكثر تخصصًا، مع دراسة تأثير التوترات الجيوسياسية، ومستقبل التكامل الاقتصادي الخليجي، والسياسات الصناعية المختلفة، إضافة إلى قضايا تتعلق بحركة البيانات ورؤوس الأموال والأفراد.





