سجّل العالم تحولاً ديموغرافياً غير مسبوق، بعدما تجاوز عدد الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 65 عاماً فأكثر عدد الأطفال الذين تبلغ أعمارهم خمس سنوات أو أقل، في سابقة تاريخية تعكس التراجع المتسارع في معدلات الخصوبة وارتفاع متوسط العمر المتوقع في مختلف أنحاء العالم.
ويشير هذا التحول إلى انقلاب تدريجي في التركيبة السكانية العالمية، بعد عقود طويلة كان فيها الأطفال يمثلون قاعدة واسعة من الهرم السكاني، فيما كان كبار السن يشكلون نسبة أقل بكثير. ومن المتوقع أن يتعمق هذا التحول خلال العقود المقبلة، مع استمرار انخفاض معدلات الإنجاب وارتفاع أعداد الأشخاص الذين يعيشون حتى سن الشيخوخة.
وتكشف البيانات أن أكثر من 71% من سكان العالم يعيشون في بلدان وصلت فيها معدلات الخصوبة إلى مستوى الإحلال السكاني أو انخفضت عنه، وهو المستوى الذي يبلغ نحو 2.1 مولود لكل امرأة. ويمثل ذلك ارتفاعاً كبيراً مقارنة بعام 2013، عندما كان نحو 45% فقط من سكان العالم يعيشون في بلدان سجلت معدلات خصوبة عند هذا المستوى أو دونه.
ويعني انخفاض الخصوبة أن الأجيال الجديدة أصبحت أصغر عدداً من الأجيال التي سبقتها، في وقت تستمر فيه الأجيال الأكبر سناً في النمو بفعل تحسن الرعاية الصحية وانخفاض معدلات الوفاة وارتفاع متوسط العمر المتوقع.
ومن المتوقع أن يرتفع عدد الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 65 عاماً فأكثر من نحو 852 مليون نسمة عام 2025 إلى ملياري نسمة بحلول عام 2060، ما يجعل كبار السن أحد أكبر مصادر النمو السكاني خلال العقود المقبلة.
وفي المقابل، يتوقع أن يرتفع إجمالي عدد سكان العالم من نحو 8.13 مليار نسمة إلى 10.23 مليار نسمة بحلول عام 2060، إلا أن نسبة كبيرة من هذا النمو ستكون في الفئات العمرية الأكبر سناً.
وتشير التقديرات إلى أن الزيادة في عدد كبار السن ستشكل نحو 55% من صافي النمو السكاني العالمي خلال الفترة الممتدة بين عامي 2025 و2060.
ولم يعد انخفاض معدلات الإنجاب ظاهرة تقتصر على الدول الغنية والمتقدمة، إذ امتد إلى دول تعد من الأكبر سكانياً في العالم. فقد انخفضت معدلات الخصوبة في الصين والهند، وهما أكبر دولتين من حيث عدد السكان، إلى ما دون مستوى الإحلال السكاني.
كما شهدت دول أخرى ذات كثافة سكانية كبيرة، بينها بنغلاديش والمكسيك وفيتنام، انخفاضاً في معدلات المواليد إلى مستويات تقل عن معدل الإحلال السكاني خلال السنوات الماضية.
ويثير هذا التحول مخاوف متزايدة بشأن ما يعرف بـ”فخ الخصوبة”، حيث تؤدي الأجيال الصغيرة إلى إنجاب أجيال أصغر منها، ما يسرّع عملية الشيخوخة السكانية ويؤدي في بعض البلدان إلى انخفاض إجمالي عدد السكان.
ويعني ذلك وجود عدد أقل من الأشخاص في سن العمل مقابل ارتفاع أعداد كبار السن الذين يحتاجون إلى خدمات صحية ومعاشات ورعاية طويلة الأجل.
ومن المتوقع أن يشكل هذا التحول ضغطاً متزايداً على أنظمة التقاعد والرعاية الصحية والضمان الاجتماعي، خاصة في البلدان التي تعتمد اقتصاداتها على قوة عاملة شابة وكبيرة العدد.
وتعد أوروبا حالياً المنطقة الأكثر تقدماً في عملية الشيخوخة السكانية، إلا أن أكبر زيادة عددية في أعداد كبار السن ستحدث في مناطق أخرى، خصوصاً آسيا.
ومن المتوقع أن يرتفع عدد سكان آسيا الذين تبلغ أعمارهم 65 عاماً فأكثر من نحو 487 مليون نسمة عام 2025 إلى 1.24 مليار نسمة بحلول عام 2060، وهو ما يمثل نحو ثلثي الزيادة العالمية المتوقعة في أعداد كبار السن.
أما أفريقيا، فستظل المنطقة الأصغر سناً في العالم بفارق كبير عن باقي القارات، إلا أن عدد سكانها من كبار السن يتوقع أن يرتفع بصورة كبيرة، من نحو 60 مليوناً إلى 249 مليون شخص بحلول عام 2060.
ومن المتوقع أن يتجاوز عدد كبار السن في أفريقيا، بحلول ذلك الوقت، عدد كبار السن في أوروبا، الذي يقدر بنحو 214 مليون نسمة.
وعلى المستوى العالمي، يتوقع أن ترتفع نسبة الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 65 عاماً فأكثر من نحو 10.5% من سكان العالم إلى 19.6% بحلول عام 2060.
ولا يعني ارتفاع أعداد كبار السن بالضرورة أن العالم يتجه نحو أزمة ديموغرافية حتمية، إذ يمثل طول العمر أحد أبرز الإنجازات الإنسانية خلال القرن الماضي، نتيجة انخفاض وفيات الأطفال وتحسن الرعاية الطبية وارتفاع متوسط العمر المتوقع.





