فورين أفيرز: حرب واشنطن وتل أبيب صنعت إيران جديدة أكثر قوة ونفوذاً في الشرق الأوسط

إيران - طهران

شارك

كشفت مجلة “فورين أفيرز” أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لم تحقق هدفها الأساسي بإضعاف الجمهورية الإسلامية أو دفعها نحو الانهيار، بل أدت إلى ظهور نسخة جديدة من إيران أكثر تنظيماً وثقة وقدرة على التأثير في توازنات الشرق الأوسط.

وأوضحت المجلة أنه في بداية الحرب بدت طهران في موقف بالغ الصعوبة بعد تعرضها لضربات واسعة استهدفت بنيتها الصناعية والعسكرية، إضافة إلى تأثير الحصار البحري الأمريكي على اقتصادها المتضرر أساساً من العقوبات.

لكن بعد أشهر من المواجهة، لم تتحقق توقعات واشنطن وتل أبيب بانهيار النظام الإيراني أو اندلاع انتفاضة شعبية واسعة ضده، إذ حافظت إيران على قدراتها العسكرية والصناعية وتمكنت من إعادة ترتيب مؤسساتها الداخلية.

وبحسب التحليل، فإن الحرب لم تكسر إيران كما توقع خصومها، بل دفعتها إلى التكيف السريع وإعادة بناء استراتيجيتها العسكرية والسياسية، ما أدى إلى ولادة مرحلة جديدة داخل النظام الإيراني ستترك تأثيراً طويل الأمد على المنطقة.

وأشارت المجلة إلى أن أحد أبرز التحولات تمثل في صعود جيل جديد من القيادات داخل مؤسسات الدولة والحرس الثوري، يختلف عن الجيل المؤسس للثورة الإيرانية.

فبينما تشكلت رؤية القادة الأوائل من خلال الصراع الأيديولوجي ضد النظام الملكي والغرب، نشأ الجيل الجديد داخل مؤسسات الجمهورية الإسلامية، وتبنى رؤية أكثر ارتباطاً بمفهوم الدولة والأمن القومي.

ويرى التقرير أن هؤلاء القادة لا يتعاملون مع الحكم باعتباره استمراراً للثورة فقط، بل باعتباره إدارة لدولة تواجه تحديات استراتيجية، ما جعلهم أكثر تركيزاً على الحسابات العملية بدلاً من الخطاب الأيديولوجي التقليدي.

وأدت الحرب إلى تسريع تغييرات داخلية واسعة، إذ شهدت المؤسسات الإيرانية إعادة تنظيم كبيرة، وتم منح صلاحيات أوسع للمستويات المحلية، بينما صعد مسؤولون تكنوقراط إلى مواقع مؤثرة في إدارة الملفات الاقتصادية والعسكرية.

كما أعادت إيران هيكلة قواتها المسلحة بطريقة تمنحها قدرة أكبر على الاستمرار بعد فقدان قادة كبار، مع الاعتماد على شبكات قيادة مرنة وأساليب حرب غير تقليدية.

وأكد التقرير أن طهران استخلصت دروساً مهمة من المواجهات السابقة، خصوصاً في مجال استخدام الصواريخ والطائرات المسيرة منخفضة التكلفة لإرباك أنظمة الدفاع الأمريكية والإسرائيلية.

واعتبرت المجلة أن إيران نجحت في تحويل نقاط ضعفها العسكرية التقليدية إلى أدوات ضغط، عبر الاعتماد على الحرب غير المتماثلة واستنزاف قدرات خصومها بدلاً من الدخول في مواجهة مباشرة وفق قواعدهم.

ومن أبرز التحولات الاستراتيجية التي سلط عليها التقرير الضوء، تعزيز دور مضيق هرمز كورقة قوة إيرانية.

وأوضحت المجلة أن طهران باتت تنظر إلى سيطرتها على هذا الممر الحيوي باعتبارها أداة ردع اقتصادية واستراتيجية ضد أي هجمات مستقبلية.

كما دفع الصراع إيران إلى تعزيز علاقتها مع الصين، بعدما خلصت القيادة الجديدة إلى أن العودة إلى مسار التطبيع مع الولايات المتحدة لم تعد خياراً واقعياً.

وبحسب التقرير، ترى طهران في بكين شريكاً أساسياً لإعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي، في ظل استمرار المواجهة مع واشنطن.

وعلى المستوى الداخلي، أحدثت الحرب تحولاً في علاقة الدولة بالمجتمع، حيث عززت الخطاب القومي على حساب الخطاب الثوري التقليدي.

وقالت المجلة إن الهجمات الخارجية دفعت شرائح من المجتمع الإيراني إلى الالتفاف حول فكرة حماية الدولة رغم استمرار الخلافات الداخلية والانتقادات الموجهة للنظام.

وأشارت إلى أن القيادة الإيرانية الجديدة تحاول بناء شرعية مختلفة تعتمد على الكفاءة وحماية البلاد وإعادة الإعمار، وليس فقط على الشعارات الأيديولوجية.

ورغم ذلك، أكدت أن المشكلات الداخلية المرتبطة بالاقتصاد والحريات والاحتجاجات لم تختف، لكنها تراجعت مؤقتاً بفعل ظروف الحرب والشعور بالخطر الخارجي.

وفي السياسة الإقليمية، لا تتوقع المجلة أن تتخلى إيران عن حلفائها في المنطقة، لكنها رجحت أن تدير علاقاتها معهم بطريقة أكثر ارتباطاً بالمصالح الاستراتيجية وأقل اعتماداً على الشعارات الثورية.

وخلص التقرير إلى أن الحسابات الأمريكية والإسرائيلية التي راهنت على إضعاف إيران أدت إلى نتيجة مختلفة، إذ خرجت طهران من الحرب بقيادة جديدة وعقيدة أكثر قومية واستراتيجية تسعى من خلالها لترسيخ موقعها كلاعب رئيسي في نظام إقليمي جديد.

شارك

Facebook
X
WhatsApp
LinkedIn
Telegram
Email

قد يعجبك أيضاً