تتفاقم الأزمات المعيشية في لبنان مع استمرار تداعيات الانهيار الاقتصادي وتداعيات الحرب الأخيرة، في وقت تكافح فيه آلاف العائلات لتأمين احتياجاتها الأساسية وسط ارتفاع معدلات التضخم، وتراجع الدخل، وتزايد أعداد النازحين، ما يدفع كثيرين إلى اعتبار الهجرة الخيار الوحيد لإنقاذ مستقبلهم.
وتجسد قصة عائلة الخوري، التي اضطرت إلى تقليص إنفاقها إلى الحد الأدنى لتوفير تكاليف علاج ابنها المصاب بمرض في القلب، واقعاً يعيشه عدد كبير من اللبنانيين الذين فقدوا القدرة على مواجهة الارتفاع المتواصل في تكاليف المعيشة والرعاية الصحية.
وتقول العائلة إنها باعت مقتنياتها الشخصية، بما في ذلك الملابس والساعات، لتغطية النفقات الطبية، في ظل محدودية تغطية الضمان الاجتماعي للعلاج، الأمر الذي أجبرها على تقليص إنفاقها الغذائي إلى الحد الأدنى خلال بعض الفترات.
ولم تكن أوضاع الأسرة على هذا النحو قبل سنوات، إذ كانت تنتمي إلى الطبقة المتوسطة وتعيش حياة مستقرة قبل اندلاع الأزمة المالية في عام 2019، التي أدت إلى انهيار اقتصادي غير مسبوق وانكماش الناتج المحلي الإجمالي بنحو 40 في المئة، قبل أن تتوالى الأزمات مع جائحة كورونا وانفجار مرفأ بيروت، ثم تجدد الحرب في الجنوب.
وتقول العائلة إن كل محاولة للتعافي كانت تصطدم بأزمة جديدة، بينما أدى التصعيد العسكري الأخير إلى ارتفاع إضافي في أسعار السلع والخدمات، ما جعل إدارة المصروفات اليومية أكثر صعوبة.
وأدت التطورات الأخيرة إلى تراجع التوقعات الاقتصادية التي كانت تشير إلى إمكانية تحقيق نمو خلال العام الجاري، إذ باتت التقديرات الحالية تتحدث عن احتمال انكماش الاقتصاد اللبناني مجدداً نتيجة تداعيات الحرب واستمرار التوترات الإقليمية.
وفي ظل غياب شبكة حماية اجتماعية فعالة، انعكس ارتفاع أسعار الطاقة والنقل مباشرة على أسعار السلع الأساسية، مع وصول معدل التضخم السنوي إلى مستويات مرتفعة، الأمر الذي زاد من الضغوط على الأسر ذات الدخل المحدود.
وتؤكد عائلة الخوري أن فاتورة الاشتراك في مولد الكهرباء الخاص أصبحت تستنزف جزءاً كبيراً من دخلها الشهري، في وقت لا تؤمن فيه الشبكة الحكومية سوى ساعات محدودة من التغذية الكهربائية.
ورغم أن رب الأسرة يعمل محاسباً لدى منظمة غير حكومية ويتقاضى نحو 1500 دولار شهرياً، فإن هذا الدخل لم يعد يكفي لتغطية احتياجات الأسرة الأساسية، بعدما فقدت زوجته وظيفتها وتراجعت قيمة تعويض نهاية خدمتها إلى مبلغ لا يتجاوز عشرات الدولارات بسبب انهيار سعر صرف الليرة اللبنانية.
كما اضطرت الأسرة إلى مغادرة منزلها في بيروت والانتقال إلى منطقة أقل تكلفة بعد عجزها عن الاستمرار في دفع الإيجار، في مشهد يتكرر مع آلاف العائلات التي غادرت المدن الكبرى بحثاً عن تكاليف معيشة أقل.
وتعود جذور الأزمة الحالية إلى انهيار القطاع المصرفي اللبناني عام 2019، عندما فقد المودعون القدرة على الوصول إلى ودائعهم، بينما تكبد النظام المالي خسائر ضخمة، وتراجعت قيمة الليرة اللبنانية بنحو 98 في المئة أمام الدولار، ما أدى إلى تآكل المدخرات والرواتب والمعاشات التقاعدية.
وأصبح الموظفون الذين يتقاضون أجورهم بالعملة المحلية من أكثر الفئات تضرراً، بينما تعتمد أعداد متزايدة من الأسر على تحويلات أقاربها العاملين في الخارج، والتي تمثل إحدى أهم مصادر الدخل بالنسبة للاقتصاد اللبناني.
غير أن خبراء اقتصاديين يحذرون من أن استمرار التوترات الإقليمية قد ينعكس أيضاً على هذه التحويلات، خصوصاً مع ارتباط جزء كبير منها باقتصادات دول الخليج، التي تواجه بدورها تداعيات الاضطرابات الجيوسياسية.
وفي المقابل، برزت فئة محدودة تمكنت من الاستفادة من الأزمة، من خلال تحويل أموالها إلى الخارج قبل انهيار القطاع المصرفي أو الاستفادة من انهيار العملة المحلية، إلى جانب شركات ازدهرت أعمالها نتيجة تراجع خدمات الدولة، مثل شركات المولدات الكهربائية الخاصة.
ورغم استمرار النشاط التجاري في بعض أحياء بيروت، فإن مراقبين يؤكدون أن هذه الصورة لا تعكس الواقع الاقتصادي العام، إذ تتركز القدرة الشرائية لدى شريحة محدودة تتقاضى رواتبها بالدولار أو تمتلك مصادر دخل خارجية، بينما يعيش معظم اللبنانيين أوضاعاً معيشية صعبة بعيداً عن المشهد الظاهر.
وفي جنوب لبنان، تسببت الحرب الأخيرة في تدمير عشرات القرى والبنى التحتية، فيما لا يزال آلاف السكان عاجزين عن العودة إلى منازلهم بسبب استمرار الأضرار وغياب الخدمات الأساسية، إضافة إلى استمرار وجود الجيش الإسرائيلي في أجزاء من الجنوب.
ويقول محمد عليان، وهو أحد النازحين من بلدة برج قلاوي، إنه عاد إلى قريته ليجد منزله مدمراً بالكامل، فيما انقطعت المياه والكهرباء عن المنطقة، الأمر الذي حال دون بدء إعادة الإعمار أو العودة إليها.
ويقيم عليان مع أسرته حالياً في مركز إيواء داخل بيروت، بعدما فقد مصدر رزقه في قطاع البناء، واضطر إلى العمل في متجر صغير مقابل أجر يومي لا يكفي لتغطية تكاليف المعيشة في العاصمة.
وتشير تقديرات إلى أن الحرب أدت إلى فقدان واحد من كل ثلاثة عمال وظائفهم، مع انخفاض متوسط الدخل بأكثر من 40 في المئة، وهو ما عمق الأزمة الاجتماعية وزاد من معدلات الفقر والبطالة.
ومع استمرار الأزمات الاقتصادية والأمنية، تتزايد قناعة اللبنانيين بأن الهجرة أصبحت الخيار الأكثر واقعية، إذ غادر مئات الآلاف البلاد خلال السنوات الأخيرة بحثاً عن فرص عمل وحياة أكثر استقراراً.
وتقول عائلة الخوري، كما يؤكد محمد عليان، إن أكثر ما يؤلمهم هو الإحساس بأن مستقبل أبنائهم لم يعد موجوداً في لبنان، وأن الرحيل بات بالنسبة لكثير من الأسر السبيل الوحيد للخروج من دوامة الأزمات التي لا تبدو لها نهاية قريبة.





