ما هو اليوم التالي في غزة؟

شارك

حذر معهد دول الخليج العربية في واشنطن، من أن اليوم التالي بعد صمت المدافع في حرب إسرائيل، هو يوم نكبة جديدة، ومرثية جديد لغزة.
وبحسب المعهد الأمريكي غإن ما هو “اليوم التالي” في غزة بعد توقف القتال؟ هذا هو السؤال الذي طرحه وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن على المسؤولين الإسرائيليين خلال زيارته الأخيرة لإسرائيل، لكنه لم يحصل على جواب مقنع أو واضح عليه.
وهذا هو السؤال الذي يطرحه المسؤولون العرب والأوروبيين ومعهم المحللين والمخططين الاستراتيجيين في العواصم المعنية بمستقبل الفلسطينيين ومستقبل المنطقة الممتدة من شرق المتوسط إلى منطقة الخليج. ولا يزال السؤال يبحث عن الجواب الضائع.

قبل أسبوعين، طرح وزير خارجية الأردن أيمن الصفدي، خلال مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره الأميركي بلينكن، هذا السؤال بصيغ مختلفة بعض الشيء، ولكنها ملحّة للغاية، “ما الذي سيحدث في المرحلة المقبلة؟ وكيف يمكننا التفكير فيما سيحدث في غزة عندما لا نعرف ما هي غزة التي ستبقى بعد نهاية الحرب؟ هل سنتحدث عن أرض خراب؟ هل سنتحدث عن سكان تم تحويلهم إلى لاجئين؟ نحن ببساطة لا نعلم، لأننا لا نعرف ما هي جميع المتغيرات المحتملة لكي نبدأ بالتفكير بهذه المسائل”.

المسؤولون الإسرائيليون، الذين يواصلون حربهم الشرسة ليس فقط ضد مقاتلي حركة حماس والجهاد الاسلامي، بل ضد جميع المؤسسات في غزة لتفكيك جميع الهياكل التي توفر الخدمات الحيوية الصحية والتعليمية والإدارية لخدمة سكان القطاع، يعبّرون بشكل مبهم، ولكن متطرف عن تصورهم لليوم التالي في غزة. يقول رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أنه بغض النظر عن أي كيان سوف يتحمل في المستقبل مسؤولية “الشؤون المدنية ” لقطاع غزة، فإن “إسرائيل سوف تمثل السلطة الأمنية الكاملة، لفترة غير محددة”. يقول وزير المالية بتسالل اسموتریچ، “في اليوم التالي، الأمر الأهم هو أنه لن تكون هناك حماس في غزة، والسيطرة العملية سوف تكون للجيش الاسرائيلي” لسنوات لم يحددها.

هذا الإصرار الإسرائيلي على فرض السيطرة الأمنية على القطاع لفترة زمنية مفتوحة، أو لسنوات غير محددة، يتناقض مع تصور الرئيس بايدن ووزير خارجيته بلينكن المبدئي لليوم التالي في غزة، والذي عبّر عنه الرئيس بايدن في مقال نشره في صحيفة واشنطن بوست قبل أيام، والذي أكد فيه رفضه “للطرد القسري للفلسطينيين من قطاع غزة، ولاحتلال القطاع أو حصاره أو مقاطعته أو تقليص مساحة أراضيه”. كما أكد بايدن أن الحل السياسي يتطلب توحيد غزة والضفة الغربية تحت هيكل حكم واحد، وتابع “وفي نهاية المطاف في ظل قيادة سلطة فلسطينية متجددة، بينما نعمل جميعا نحو حل الدولتين”.

مواقف بايدن هذه ليست جديدة، وتعكس مواقف ايجابية أكثر تجاه الفلسطينيين اتخذها الرئيس الأميركي ووزير خارجيته فور وصوله إلى البيت الأبيض، حيث سارع بايدن إلى التخلص من القرارات العدائية التي اتخذها سلفه دونالد ترامب تجاه الفلسطينيين، مثل تعليق المساعدات المالية للسلطة الفلسطينية، وكذلك المساعدات الإنسانية لوكالات الأمم المتحدة المعنية بمساعدة الفلسطينيين. كما جدد بايدن التزام واشنطن “بحل الدولتين”، وبدأ باستخدام صيغة لاقت ترحيبًا أولياً، وهي أن الإسرائيليين والفلسطينيين يستحقون “معايير متساوية من الحرية والفرص والكرامة”.

ولكن الحقيقة الصارخة، هي أن بايدن وفريقه الأمني لم يتخطوا هذه المواقف النظرية واللفظية، ولم يحاولوا ترجمتها في أي خطوات عملية، حيث لم يقم بايدن، حتى بعد زيارته للشرق الأوسط، وبعد جولة عنف دموية بين حركة حماس وإسرائيل في 2021، إلى بذل أي جهد سياسي لإحياء المفاوضات بين الفلسطينيين وإسرائيل. الافتراض السائد في أوساط إدارة بايدن هو أن “الظروف الموضوعية” في المنطقة “غير ناضجة” للاستثمار في مفاوضات سلام جديدة. طبعًا، في هذا السياق كان المسؤولون في واشنطن يتذرعون بأن الاضطرابات السياسية والتغييرات الحكومية في إسرائيل، وانشغال حكومة نتنياهو بما سمي التغييرات القضائية (والتي اعتبرتها المعارضة محاولة انقلابية قضائية)، كلها عوامل كانت تمنع أي نقاش جدي لإمكانية احياء مفاوضات السلام. الشق الأخر لاستحالة احياء “عملية السلام” المغيّبة، وفقا للمسؤولين الأميركيين هي انقسام الفلسطينيين بين السلطة الفلسطينية وحركة حماس، وضعف وفساد السلطة الفلسطينية.

اخفاق إدارة الرئيس بايدن الديبلوماسي تجاه مستقبل القضية الفلسطينية، صاحبه اخفاق أبشع في وقف الأطماع التوسعية لحكومة نتنياهو، التي تبنت في برنامجها السياسي في السنة الماضية توسيع المستوطنات “في جميع أراضي اسرائيل”، بما في ذلك “يهودا والسامرة” وهي الأسماء العبرية للضفة الغربية. وفي السنة الحالية حصد عنف المستوطنين والجنود الإسرائيليين 250 فلسطينياً، بمن فيهم 47 طفلًا في الضفة الغربية قبل بداية حرب غزة، ما جعل 2023 وفقًا لمنظمة هيومان رايتس واتش السنة الأكثر دموية منذ 2005 عندما بدأت الأمم المتحدة بتسجيل هذه الوفيات. الرئيس بايدن نفسه، وصف حكومة نتنياهو هذه بأنها الأكثر تطرفًا في تاريخ اسرائيل، ولكن هذه التصريحات ظلت ضمن حدود الكلام، ولم تتخطاه إلى حيز الأفعال، وكأنه أعطى الاحتجاجات والانتقادات والمناشدات اللفظية مكانة ترقى إلى مكانة الافعال.

يجب أن ننوه في هذا السياق إلى أن الهاجس الأولي والملح للرئيس بايدن كان في التصدي للتحدي الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في العالم، وتحديدًا في منطقة المحيطين الهندي والهادي، ومن هنا سعيه الحثيث لتعزيز التحالفات العسكرية والتعاون الأمني بين واشنطن وأستراليا والهند والفيليبين وتايوان وفيتنام، إضافة إلى حلفاء واشنطن القدامى، مثل كوريا الجنوبية واليابان. وفي الواقع، سياسة بايدن هذه كانت تعكس الاجماع الوحيد بين الحزبين الجمهوري والديموقراطي في واشنطن: التصدي للصين.

خلال حملته الانتخابية وسنته الأولى في البيت الأبيض، اتخذ بايدن مواقف علنية وقرارات سياسية عكست النهج الذي اتبعه الرئيس الأسبق باراك أوباما الذي شاركه بايدن في الحكم كنائب للرئيس، في تخفيض “البروفيل” العسكري، وحتى الديبلوماسي، في منطقة الشرق الأوسط لكي يركز طاقاته واهتمامه وموارد بلاده على مواجهة التحدي الصيني. وهذا ما يفسر السرعة التي أحيا فيها المفاوضات النووية مع إيران، وكذلك تجديد الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب الكارثية في اليمن. كما تعهد بايدن بجعل حماية حقوق الإنسان في العالم “جوهر سياستنا الخارجية “، وفي هذا السياق تعهد بمعاملة السعودية كدولة “منبوذة” بسبب دورها في حرب اليمن وفي اغتيال المعلق جمال خاشقجي. كما وجه بايدن انتقادات قاسية لكل من الرئيسين التركي الطيب رجب أردوغان والمصري عبد الفتاح السيسي. على الصعيد العملي، خفّض بايدن من الحضور العسكري الأميركي في العراق، كما سحب بعض الأنظمة العسكرية المتطورة من منطقة الخليج.

ولكن الغزو الروسي لأوكرانيا في بداية 2022 قلب حسابات بايدن الدولية رأسًا على عقب، وأرغمه على تخصيص كل طاقاته السياسية وموارد بلاده العسكرية والاقتصادية للتصدي للغزو الروسي، وبذل جهود ضخمة لتجنيد وتعبئة حلفاء واشنطن في أوروبا وآسيا في جهد دولي لمساعدة أوكرانيا على دحر الغزو، الذي خلق معطيات وتحديات جديدة في أسواق القمح والنفط في العالم، نظرًا لأهمية روسيا وأوكرانيا في إنتاج هذه الموارد الهامة.

التحالف الروسي-الإيراني الذي أوصل الصواريخ والمسيّرات الإيرانية إلى قلب أوروبا بعد غزو أوكرانيا، وإخفاق محاولات إحياء الاتفاق النووي مع إيران، والعقوبات الاقتصادية الدولية المفروضة على روسيا وصادراتها النفطية، أبرزت من جديد أهمية الدور الاقتصادي لدول الخليج العربية المنتجة للنفط، وتحديدًا المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة. أدت الحرب في أوكرانيا إلى ارتفاع ملحوظ في أسعار الطاقة، الأمر الذي ساهم بدوره في ارتفاع معدلات التضخم في الولايات المتحدة، وبقاء شعبية بايدن متدنية في استطلاعات الرأي.

هذه الحقائق النفطية، دفعت بالرئيس بايدن ومساعديه لمحاولة إقناع السعودية والإمارات لزيادة حجم إنتاجهما من النفط، ولكن هذه المحاولات باءت بالفشل. وهنا بدأ مساعدو بايدن بالتفكير بزيارة السعودية – في إطار زيارة إلى الشرق الأوسط تشمل إسرائيل – لإقناع الرياض بزيادة إنتاجها من النفط، وإن كان الهدف العلني الذي حظي بالضجيج الاعلامي هو العمل على “اندماج” اسرائيل في اقتصادات المنطقة، والعمل على تحضير الأرضية لتطبيع العلاقات بين السعودية واسرائيل. هذه أهداف يمكن لبايدن الدفاع عنها، دون الاعتراف بأنه يتراجع عن انتقاداته الأولية للسعودية بشأن حقوق الإنسان، ولكي يقول أنه لم يزور السعودية طالبًا المزيد من نفطها ذو النوعية العالية.

خلال الأشهر التي سبقت حرب غزة، أوفد بايدن أكثر من مسؤول أميركي رفيع إلى السعودية وإسرائيل لمناقشة شروط ومتطلبات صفقة ثلاثية أميركية-سعودية-إسرائيلية تؤدي إلى تطبيع العلاقات بين إسرائيل والسعودية، مقابل تقديم ضمانات أمنية ومساعدات أميركية عسكرية للرياض، وتوفير تقنية نووية مدنية أميركية للسعودية، مقابل تحقيق تقدم سياسي يبن إسرائيل والفلسطينيين، لم يتم تحديد طبيعته بدقة.

هذه المساعي الأميركية لتحقيق صفقة إسرائيلية-سعودية، كانت تتم في الوقت الذي تسارعت فيه وتيرة الاستيطان الإسرائيلية والعنف الذي صاحبه في الضفة الغربية. وهذا كان يعني أن الرئيس بايدن كان يقوم بحركة التفاف حول القضة الفلسطينية، وكأن “اندماج” إسرائيل في اقتصادات المنطقة أصبح مفتاح الاستقرار الاقليمي والتصدي لإيران واحتواء النفوذ الصيني في الخليج. حتى مؤيدو تطبيع العلاقات بين إسرائيل والسعودية لم تكن لديهم أوهام كثيرة حول استعداد أو رغبة أو قدرة بنيامين نتنياهو على قبول تسوية سلمية حقيقية مع الفلسطينيين تؤدي إلى قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.

الآن وبعد مرور أكثر من خمسة أسابيع على الحرب بين إسرائيل وحركة حماس، وتحويل شمال غزة إلى أرض مدمرة، وسقوط أكثر من 12000 قتيل، حوالي نصفهم من الأطفال، يتحدث بايدن عن اليوم التالي في غزة. ولكن كما قال وزير الخارجية الأردني، عن أي غزة نتحدث؟ سوف يقوم الإسرائيليون بتوريث أعباء غزة المالية والإدارية للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول العربية، وسوف يقترحون قيام دول الخليج النفطية بإعادة اعمار غزة، لأن هذا ما يرونه في دول الخليج. حتى إعادة السلطة الفلسطينية إلى القطاع – إذا افترضنا أن واشنطن سوف تصر على ذلك، وهذا أمر غير مضمون – سوف تتطلب وقتًا طويلًا نسبياً، يتم خلاله إعادة الإعمار، وإعادة الإدارة المدنية، وبناء قوات أمنية. سياسياً، لا يمكن للسلطة الفلسطينية العودة إلى غزة، إذا بدت هذه العودة وكأنها تحققت بسبب الحرب الإسرائيلية.

بعد العنف الرهيب الذي تعرض له الفلسطينيون في غزة وفي الضفة الغربية، وبعد التهديدات الإسرائيلية الرسمية والعلنية باقتلاع وتهجير الفلسطينيين، لن يجد الإسرائيليون والأميركيون أي قيادات فلسطينية قادرة أو راغبة بالتفاوض لقبول أي حل لا يشمل قيام دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة. في المقابل، سوف نجد أن التصلب الإسرائيلي سوف يزداد في أعقاب الحرب، بغض النظر عن طبيعة الحكومة التي ستقود إسرائيل بعد وقف القتال. السلام المبني على “حل الدولتين” يبدو بعيدًا جدًا الآن، ويقول الكثيرون إنه أصبح في حيز المستحيل. قد يرى البعض أن هذا الحل لا يزال ممكنًا إذا سعت الولايات المتحدة إلى تحقيقه بحزم وصدق وتصميم، وهذا أمر ممكن من الناحية النظرية، ولكنه قطعًا ليس خيارًا واقعياً يمكن للرئيس بايدن أن يتبناه، وهو مُقبل على سنته الأخيرة في البيت الأبيض حيث يحضر لحملة انتخابية جديدة صعبة وغير مضمونة النجاح.

تأييد الرئيس بايدن لإسرائيل قديم وراسخ، وأي اجتهادات مختلفة بينه وبين رئيس وزراء إسرائيل لن تؤثر على تأييده غير المشروط تقريبًا لإسرائيل. وحتى بعد مرور أكثر من خمسة أسابيع على القتال والخسائر المدنية الفلسطينية الهائلة لاجتياح غزة، لا يزال بايدن يوافق على أهداف إسرائيل، وأهمها القضاء على حركة حماس، كما يواصل رفضه لوقف إطلاق النار، الأمر الذي يعني عملياً الموافقة على استمرار الحرب، واستمرار سقوط المدنيين.

هذه الحرب سوف تتوقف في يومًا ما. وسوف يشرق يوم تال على غزة. ولكنه سيشرق على صحراء من الركام والأطلال خلقها الإسرائيليون، وعلى قلوب مكسورة تنتحب على عشرات الآلاف من القتلى والجرحى والمشوهين والمنفيين. لا أحد يعلم بيقين ما ستحمله الأيام التالية في السنوات اللاحقة لغزة.

ولكن اليوم التالي بعد صمت المدافع، هو يوم نكبة جديدة، ومرثية جديد لغزة.

شارك

Facebook
X
WhatsApp
LinkedIn
Telegram
Email

قد يعجبك أيضاً

المزيد من المقالات

مضيق هرمز

اقتصادات الكويت وقطر الأكثر تضرراً إذا استمرت الحرب في الخليج حذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار الحرب في الخليج قد يوجه ضربة قوية لاقتصادات المنطقة، مع توقعات بأن تكون الكويت وقطر الأكثر تضرراً في حال استمرار الصراع وتعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز لفترة طويلة. وأفادت تقديرات صادرة عن بنك غولدمان ساكس، نقلتها وكالة بلومبرغ، بأن استمرار الحرب حتى شهر أبريل مع توقف الملاحة في مضيق هرمز لمدة شهرين قد يؤدي إلى انكماش اقتصاد كل من قطر والكويت بنسبة تصل إلى 14 في المئة خلال العام الحالي. وقال الاقتصادي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى البنك فاروق سوسة إن هذا السيناريو قد يمثل أسوأ ركود اقتصادي تشهده الدولتان منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي. وأشار إلى أن تلك الفترة شهدت اضطرابات كبيرة في أسواق النفط بعد غزو العراق للكويت وما تبعه من اندلاع حرب الخليج، وهو ما أدى آنذاك إلى هزة اقتصادية واسعة في المنطقة. وأوضح التقرير أن استمرار الحرب الحالية يهدد بتعطيل قطاع الطاقة والقطاعات الاقتصادية الأخرى في الخليج، ما يخلق ما وصفه الخبراء بـ”سيناريو اقتصادي شديد الخطورة” لدول المنطقة. وتمر عبر مضيق هرمز نحو خُمس صادرات النفط العالمية، ما يجعله أحد أهم الممرات البحرية في الاقتصاد العالمي. وبحسب التقرير، فإن توقف الملاحة في هذا الممر الحيوي لمدة طويلة قد يؤدي إلى تعطيل صادرات الطاقة من الخليج، وهو ما ينعكس مباشرة على اقتصادات الدول المنتجة للنفط والغاز. وأوضح التقرير أن التأثير الاقتصادي للحرب لن يكون متساوياً بين دول الخليج. ففي حين يُتوقع أن تتعرض قطر والكويت لأشد الضربات الاقتصادية، فإن وضع السعودية والإمارات قد يكون أقل تضرراً نسبياً. ويرجع ذلك إلى قدرة البلدين على تصدير النفط عبر طرق بديلة بعيداً عن مضيق هرمز، ما يسمح لهما بالحفاظ على جزء من صادرات الطاقة حتى في حال تعطل الملاحة في المضيق. ورغم ذلك، يتوقع الخبراء أن ينخفض الناتج المحلي الإجمالي بنحو ثلاثة في المئة في السعودية وخمسة في المئة في الإمارات إذا استمر الصراع، وهو ما يمثل أكبر تراجع اقتصادي منذ أزمة جائحة كوفيد عام 2020. وأشار سوسة إلى أن التأثير الاقتصادي للحرب قد يكون في المدى القصير أكبر من تأثير جائحة كورونا، موضحاً أن التعافي الاقتصادي سيبقى ممكناً بعد انتهاء الصراع، لكن حجم الضرر الذي قد يلحق بثقة المستثمرين لا يزال غير واضح. وسجلت أسواق الطاقة العالمية اضطرابات كبيرة نتيجة الحرب، حيث تجاوز سعر خام برنت حاجز 103 دولارات للبرميل مع تعطل الملاحة في مضيق هرمز وإغلاق بعض الإنتاج النفطي في دول خليجية. كما تأثرت أسواق الغاز العالمية بسبب تراجع صادرات الغاز الطبيعي المسال من قطر، أحد أكبر موردي الغاز في العالم. وفي الوقت نفسه، بدأت بعض الصناعات الثقيلة في المنطقة تتأثر بالأزمة، إذ خفضت البحرين إنتاجها في أحد أكبر مصانع الألمنيوم في العالم نتيجة اضطرابات الإمدادات المرتبطة بالملاحة في المضيق. ويرى عدد من الاقتصاديين أن السعودية قد تكون الأفضل أداءً إذا طال أمد الحرب، خاصة في ظل استمرار قدرتها على حماية أجوائها ومنشآتها الحيوية من الهجمات. كما قد تستفيد المملكة من ارتفاع أسعار النفط، ما قد يساعدها على تقليص العجز المالي المتوقع في السنوات المقبلة. ورغم هذه التحديات، تشير التقديرات إلى أن أسواق الدين العالمية لا تزال تتعامل مع الأزمة بهدوء نسبي، إذ لم يظهر مستثمرو السندات حتى الآن قلقاً كبيراً من تداعيات الحرب على الوضع المالي لدول الخليج. لكن محللين حذروا من أن استمرار الصراع لفترة طويلة قد يغير هذه الحسابات، ويضع اقتصادات المنطقة أمام ضغوط مالية واقتصادية أكبر خلال المرحلة المقبلة.