يواجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون واحداً من أصعب اختباراته الدبلوماسية الأخيرة خلال استضافته قمة مجموعة السبع في مدينة إيفيان الفرنسية، وسط تحدٍ أساسي لإبقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منخرطاً في النقاشات الدولية وعدم تكرار سيناريو الانسحاب المبكر من القمم متعددة الأطراف.
وتأتي القمة في مرحلة شديدة الحساسية بالنسبة لماكرون الذي يقترب من نهاية ولايته الرئاسية، فيما تبدو التوقعات منخفضة بشأن قدرة قادة أكبر الاقتصادات الغربية على تحقيق اختراقات كبيرة في ملفات أوكرانيا وإيران والطاقة والتجارة العالمية.
وبخلاف القمم السابقة التي كانت تنتهي عادة ببيان مشترك شامل يعكس موقف الدول المشاركة، تتجه قمة إيفيان إلى إصدار سلسلة بيانات محددة حول ملفات منفصلة، على أن يقدم ماكرون ملخصات للنقاشات الجيوسياسية، في مؤشر على صعوبة تحقيق توافق كامل بين الأطراف.
ويرى دبلوماسيون أوروبيون أن الهدف الأساسي للقمة لم يعد الوصول إلى اتفاقات تاريخية، بل الحفاظ على استمرار الحوار ومنع تفكك صورة الوحدة الغربية، خصوصاً مع شخصية ترامب التي تثير قلق الحلفاء بسبب مواقفه المتغيرة تجاه الملفات الدولية.
وقال مسؤولون فرنسيون وأوروبيون إن المهمة الرئيسية لماكرون تتمثل في ضمان بقاء ترامب مشاركاً في المحادثات بشأن الحرب الروسية الأوكرانية وتداعيات الأزمة الإيرانية على أسواق الطاقة العالمية.
وبحسب دبلوماسي أوروبي، فإن مجرد ظهور القادة في “الصورة العائلية” للقمة سيعتبر نجاحاً رمزياً في ظل الظروف الحالية، مشيراً إلى أن الحفاظ على قنوات التواصل أصبح هدفاً بحد ذاته.
وبذل ماكرون جهوداً واسعة لاستيعاب ترامب قبل انعقاد القمة، شملت تعديل موعد الاجتماعات بما يتناسب مع جدول الرئيس الأمريكي، إضافة إلى التخطيط لاستضافته في مأدبة عشاء داخل قصر فرساي ضمن أجواء احتفالية مرتبطة بالذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة.
وتعكس هذه الخطوات محاولة فرنسية للاستفادة من العلاقة الشخصية بين الرئيسين، رغم أنها شهدت مراحل متقلبة خلال السنوات الماضية بين التقارب العلني والخلافات السياسية الحادة.
ويعتقد مسؤولون أوروبيون أن ماكرون يعتمد على أسلوبه المباشر والطموح في التعامل مع ترامب، أملاً في إبقائه ضمن إطار التنسيق الغربي في الملفات الكبرى.
لكن التحدي الأكبر أمام الأوروبيين يتمثل في ضعف موقعهم السياسي مقارنة بالولايات المتحدة. فالرئيس الفرنسي يقترب من نهاية عهده، بينما يواجه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أزمة سياسية داخلية، في حين تراجعت العلاقات السابقة التي جمعت ترامب ببعض القادة الأوروبيين.
ويرى مسؤولون داخل الاتحاد الأوروبي أن صيغة مجموعة السبع فقدت جزءاً من تأثيرها السابق رغم الجهود الفرنسية لإنجاح القمة، خصوصاً في ظل قدرة ترامب على تغيير مواقفه بسرعة بعد أي تفاهمات يتم التوصل إليها.
ويتصدر ملف إيران وأمن الطاقة جدول أعمال القمة، خاصة بعد الأزمة المرتبطة بمضيق هرمز وتأثيرها على أسعار النفط العالمية. وتسعى الدول الأوروبية إلى طرح دور أكبر لها عبر مهمة بحرية متعددة الجنسيات لتأمين الملاحة في المنطقة بعد توقف القتال.
ومن المتوقع أن يشارك قادة من الشرق الأوسط في النقاشات لدعم الجهود الرامية إلى تثبيت الاستقرار ومنع تصعيد جديد قد ينعكس على الاقتصاد العالمي.
أما الملف الأوكراني، فيمثل اختباراً آخر للعلاقة بين أوروبا وترامب. ويسعى ماكرون إلى التأكيد للرئيس الأمريكي أن الأوروبيين باتوا يتحملون العبء الأكبر في دعم كييف، بعد مطالبات ترامب المتكررة لهم بزيادة مساهماتهم.
ويأمل القادة الأوروبيون في إقناع ترامب بعدم إضعاف الموقف الغربي تجاه أوكرانيا حتى في حال رفض تقديم دعم أمريكي إضافي.
ولهذا السبب، تقرر تخصيص جلسة للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بعد استبعاده في البداية من جدول القمة، في محاولة لإظهار أن كييف لا تزال تمتلك أوراق قوة في مواجهة روسيا.
ويراهن الأوروبيون على إقناع ترامب بأن أوكرانيا تحقق مكاسب وأن دعمها يمثل استثماراً سياسياً وليس عبئاً دائماً، خصوصاً في ظل المساعدات الأوروبية الضخمة والتحديات التي تواجه الجيش الروسي.
وتدرك العواصم الأوروبية أن أي تفاهمات يتم الحصول عليها في إيفيان قد تبقى هشة، لكنها ترى أن استمرار مشاركة ترامب في النقاشات أفضل من ترك القرارات المتعلقة بأوكرانيا والشرق الأوسط تُتخذ بعيداً عنها.
وتحولت قمة مجموعة السبع بذلك إلى اختبار لقدرة ماكرون على استخدام آخر أوراقه الدبلوماسية الكبرى، ليس لصناعة اتفاق عالمي جديد، بل للحفاظ على الحد الأدنى من التنسيق بين الحلفاء في عالم تتزايد فيه الانقسامات.




