محللون: السعودية تواجه مأزقاً متصاعداً مع اتساع انخراطها في الحرب ضد إيران

شارك

قال محللون إن السعودية دخلت مرحلة أكثر حساسية في الحرب الإقليمية مع إيران، بعد إعلانها تنفيذ غارات جوية داخل العراق، معتبرين أن الخطوة تعكس محاولة لردع الهجمات التي تستهدف أراضيها، لكنها في الوقت نفسه تضع المملكة أمام مخاطر الانجرار بصورة أعمق إلى الصراع الدائر في المنطقة.

وأعلنت وزارة الدفاع السعودية تنفيذ غارات استهدفت مواقع داخل العراق، متهمة فصائل مسلحة مدعومة من إيران بالمسؤولية عن الهجمات التي طالت منشآت نفطية سعودية خلال الأيام الماضية، في حين لم تعلن أي جهة عراقية مسلحة مسؤوليتها عن تلك الهجمات.

وأفاد مجلس الأمن الوطني العراقي بأن الضربات أسفرت عن مقتل وإصابة عدد من المدنيين، بينما وصف رئيس الوزراء العراقي علي الزايدي الهجمات بأنها “عدوان غير مقبول”، دون صدور تعليق إضافي من الجانب السعودي على الموقف العراقي.

وفي المقابل، أكدت الرياض أن عملياتها العسكرية جاءت في إطار الرد على هجمات محددة استهدفت أمنها، مشددة على أنها لا تسعى إلى توسيع نطاق المواجهة أو الانخراط في الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.

وقال المتحدث باسم وزارة الدفاع السعودية، اللواء الركن تركي المالكي، إن المملكة لا ترغب في التصعيد، لكنها سترد على أي اعتداء يستهدف أراضيها أو مصالحها، مؤكداً أن الإجراءات العسكرية تستند إلى حق الدفاع عن النفس.

ويرى محللون أن الإعلان الرسمي عن تنفيذ الغارات يعكس تغيراً في المقاربة السعودية بعد أشهر من تجنب الانخراط المباشر في المواجهة، رغم تعرض المملكة لهجمات متكررة استهدفت منشآت نفطية وبنى تحتية حيوية.

وأشاروا إلى أن السعودية كانت، قبل اندلاع الحرب، تتبنى سياسة تهدف إلى خفض التوتر مع إيران، بعد سنوات من القطيعة، معتبرة أن الحوار يمثل وسيلة أكثر فاعلية لضمان أمنها الإقليمي وحماية مشاريعها الاقتصادية الكبرى.

إلا أن الحرب التي اندلعت في فبراير الماضي قلبت تلك الحسابات، بعدما توسعت رقعة المواجهة لتشمل دول الخليج، مع تعرض قواعد ومصالح أمريكية لهجمات، إلى جانب استهداف منشآت للطاقة في المنطقة.

كما واجهت المملكة خلال الأسابيع الأخيرة تصعيداً جديداً مع جماعة الحوثي في اليمن، التي أعلنت مسؤوليتها عن عدة هجمات داخل الأراضي السعودية، إلى جانب إعلانها فرض حصار على ناقلات النفط السعودية في البحر الأحمر، ما زاد الضغوط الأمنية والاقتصادية على الرياض.

ويرى محللون أن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ربما كان ينظر في بداية الأزمة إلى إضعاف إيران باعتباره تطوراً قد يخدم المصالح السعودية، إلا أن استمرار الحرب أدى إلى تعقيد المشهد، مع تنامي المخاطر التي تهدد مشاريع التحول الاقتصادي والاستثمارات الأجنبية التي تسعى المملكة إلى جذبها ضمن “رؤية 2030”.

كما انعكست الحرب على أداء الاقتصاد السعودي، بعد تعرض صادرات النفط لقيود ناجمة عن الاضطرابات التي طالت الملاحة في الخليج والبحر الأحمر، وهو ما أثر في الإيرادات النفطية التي لا تزال تمثل المصدر الرئيسي لتمويل الميزانية العامة.

وفي الوقت ذاته، برزت مؤشرات على تزايد التباين بين الرياض وإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن إدارة الأزمة الإقليمية، في ظل اختلاف التقديرات حول طبيعة الرد المطلوب وآليات حماية أمن المنطقة.

ويعتبر مراقبون أن إعلان السعودية مشاركتها العسكرية بصورة علنية يمثل تحولاً لافتاً، إذ يرى بعضهم أن المملكة كانت تفضل خلال الأشهر الماضية العمل بعيداً عن الأضواء، مع تجنب إظهار أي انخراط مباشر في العمليات العسكرية.

وقال عبد العزيز الغشيان، الزميل البارز غير المقيم في منتدى الخليج الدولي، إن القيادة السعودية ربما خلصت إلى أن استمرار ضبط النفس فُسر من قبل خصومها على أنه ضعف أو قبول باستمرار الهجمات، الأمر الذي دفعها إلى توجيه رسالة أكثر وضوحاً بأن استهداف المملكة سيقابله رد مباشر.

من جهته، اعتبر اللواء المتقاعد فيصل الحمد أن الضربات تهدف إلى رسم “خطوط حمراء” أمام الجهات التي تستهدف السعودية، وإيصال رسالة ردع لمنع تكرار الهجمات على المنشآت الحيوية.

أما حسن الحسن، الزميل البارز في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، فرأى أن أهمية التطور لا تكمن فقط في الضربات نفسها، بل في كونها المرة الأولى التي تعلن فيها السعودية رسمياً تنفيذ عمليات عسكرية ضد جماعات مسلحة داخل العراق، معتبراً أن الخطوة تحمل أيضاً رسالة موجهة إلى إيران مفادها أن استمرار التصعيد قد يدفع الرياض إلى تعزيز تعاونها العسكري بصورة أكبر مع الولايات المتحدة.

ويشير محللون إلى أن السعودية تجد نفسها اليوم أمام معادلة معقدة، تتمثل في محاولة حماية أمنها القومي وردع الهجمات التي تستهدفها، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة إقليمية مفتوحة قد تحمل تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية واسعة على المملكة والمنطقة بأكملها.

شارك

Facebook
X
WhatsApp
LinkedIn
Telegram
Email

قد يعجبك أيضاً