قال موقع “ميدل إيست آي” البريطاني إن تركيا خرجت من الحرب بين الولايات المتحدة وإيران بأضرار محدودة، بل تمكنت من تحويل الأزمة الإقليمية إلى فرصة لتعزيز موقعها داخل حلف شمال الأطلسي “الناتو”، وتوسيع نفوذها الدفاعي في الخليج، والحصول على دور جديد في المسار الدبلوماسي بين واشنطن وطهران.
وذكر الموقع أن المسؤولين الأتراك شعروا في بداية الحرب بأن بلادهم أصبحت خارج حسابات القرار الأمريكي، بعدما فشلت محاولاتهم لمنع اندلاع المواجهة، وسط اعتقاد داخل أنقرة بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فضّل الاستماع إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بدلاً من التحذيرات التركية.
لكن بعد ثلاثة أشهر، تغيّر المشهد، إذ أعاد ترامب الإشارة إلى تركيا إلى جانب قطر وباكستان باعتبارها من الدول التي ساعدت في الدفع نحو مذكرة تفاهم مع إيران، في وقت أصبحت فيه لهجته أكثر انتقاداً تجاه إسرائيل.
وتوصلت واشنطن وطهران إلى تفاهم يهدف إلى تمديد وقف إطلاق النار الهش لمدة 60 يوماً وإعادة فتح مضيق هرمز، الذي أغلقته إيران بعد بدء الحرب.
ونقل “ميدل إيست آي” عن مسؤولين أتراك قولهم إن الاتفاق الحالي لا يمثل نهاية الأزمة، وإنما مجرد خطوة أولى لتخفيف التوتر، مشيرين إلى أن المفاوضات المقبلة بشأن الملف النووي والقضايا المرتبطة به ستكون أكثر صعوبة.
وقال مسؤول تركي للموقع: “فترة الستين يوماً للتفاوض على اتفاق نهائي ستكون أكثر تعقيداً من أي شيء آخر، وسيكون هذا الاختبار الحقيقي لمعرفة ما إذا كان الهدوء سيستمر”.
وأشار التقرير إلى أن أنقرة كانت تخشى في بداية الحرب من انهيار الدولة الإيرانية وما قد ينتج عنه من اضطرابات أمنية على حدودها الشرقية، خصوصاً احتمال حدوث موجات لجوء واسعة أو تصاعد دور الجماعات الكردية داخل إيران.
وكانت المخاوف التركية تتركز على احتمال استخدام إسرائيل للملف الكردي لإضعاف طهران، وهو سيناريو رأت فيه أنقرة تهديداً قد ينعكس على محادثاتها مع حزب العمال الكردستاني ويفتح وضعاً مشابهاً للتجربة السورية قرب حدودها.
وبحسب التقرير، تمكنت تركيا من الحفاظ على استقرار حدودها واستخدام نفوذها لدى واشنطن لإقناع إدارة ترامب بأن دعم تمرد كردي داخل إيران لن يكون خياراً مناسباً.
كما ساعدت الانقسامات بين القوى الكردية في المنطقة، إضافة إلى تحفظ مسؤولين أمريكيين بارزين، على إبعاد هذا السيناريو.
وفي تطور آخر، أشار الموقع إلى أن إطلاق إيران أربعة صواريخ باليستية باتجاه تركيا خلال الحرب شكل اختباراً حساساً للعلاقات بين أنقرة وطهران.
وأوضح التقرير أن الهجمات ربما استهدفت منشآت مرتبطة بالوجود العسكري الأمريكي، مثل قاعدة إنجرليك الجوية ومنشأة كورجيك الرادارية المستخدمة في مراقبة إطلاق الصواريخ الباليستية.
وأثارت هذه الخطوة غضب وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الذي نقل رسائل واضحة إلى الجانب الإيراني بأن أنقرة لن تقبل بتكرار مثل هذه الهجمات، خصوصاً إذا طالت مناطق مأهولة.
لكن الأزمة منحت تركيا في المقابل مكاسب داخل الناتو، حيث سارعت الولايات المتحدة وألمانيا وإيطاليا إلى نشر منظومات دفاعية مضادة للصواريخ لدعم الحليف التركي، ما عزز التعاون العسكري بين أنقرة وشركائها الغربيين.
وفي الخليج، عززت الحرب موقع تركيا كمصدر للأسلحة وأنظمة الدفاع، مع توجه دول خليجية إلى زيادة مشترياتها العسكرية بعد الهجمات الإيرانية.
وأشار التقرير إلى توقيع أنقرة عقوداً دفاعية بمئات الملايين من الدولارات مع دول بينها قطر والكويت والسعودية، ما رسخ حضور الصناعات الدفاعية التركية في المنطقة.
ورغم أن تركيا لا تزال تعمل على تطوير قدراتها لاعتراض الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، فإنها طرحت مشاريع للتعاون والاستثمار المشترك في هذا المجال مع شركائها الخليجيين.
اقتصادياً، قال “ميدل إيست آي” إن الحرب تسببت بضغط إضافي على تركيا بسبب ارتفاع أسعار الطاقة، إذ تشير تقديرات إلى إمكانية إضافة نحو 14 مليار دولار إلى فاتورة الطاقة التركية نتيجة اضطرابات مضيق هرمز.
لكن أنقرة حاولت في المقابل استثمار الأزمة عبر طرح مشاريع بديلة للطاقة والنقل، مستفيدة من موقعها الجغرافي، بما يشمل إحياء خطوط ربط إقليمية وتطوير مسارات جديدة لنقل النفط والغاز.
وختم التقرير بنقل تقييم دبلوماسي أوروبي قال فيه إن “الأتراك أصبحوا خبراء في تحويل الأزمات الإقليمية إلى فرص لأنفسهم”، في إشارة إلى قدرة أنقرة على استثمار تداعيات الحرب لتعزيز مكانتها السياسية والاقتصادية والعسكرية.





