يشهد سوق الطاقة العالمي اضطراباً غير مسبوق، مع تسجيل انخفاض حاد في إمدادات الغاز الطبيعي المسال بنسبة 20%، نتيجة تداعيات الصراع بين الولايات المتحدة وإيران وتأثيره المباشر على حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وفق ما أفادت به وكالة الطاقة الدولية.
وأكدت الوكالة في تقريرها الأخير أن إنتاج الغاز الطبيعي المسال تراجع بنسبة 8% على أساس سنوي خلال شهر مارس، بما يعادل نحو أربعة مليارات متر مكعب، في تحول حاد عن معدلات النمو التي بلغت 17% في يناير، ما يعكس تغيراً سريعاً في ديناميكيات السوق العالمية.
ويرتبط هذا التراجع بشكل مباشر بتعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز، الذي يعد أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، حيث يمر عبره نحو خُمس صادرات الطاقة العالمية.
وتشير التقديرات إلى أن كل شهر من تعطل الشحنات عبر المضيق يؤدي إلى خسارة تقارب 10 مليارات متر مكعب من إمدادات الغاز الطبيعي المسال، ما يضغط بشكل كبير على الأسواق المستوردة.
وانعكست هذه التطورات على الأسواق الآسيوية بشكل خاص، حيث تعتمد العديد من الدول بشكل كبير على واردات الطاقة من الشرق الأوسط.
ودفعت الأزمة هذه الدول إلى اتخاذ إجراءات لتقليل الاعتماد على الغاز، بما في ذلك ترشيد الاستهلاك والتحول إلى مصادر طاقة بديلة، في محاولة لاحتواء آثار نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار.
وشهدت الإمدادات من دول الخليج، وخاصة قطر والإمارات، تراجعاً ملحوظاً، حيث انخفضت الشحنات بنحو 9.5 مليار متر مكعب سنوياً.
وقد تفاقم الوضع بعد تعرض منشآت تسييل الغاز في قطر لأضرار نتيجة الضربات، ما دفع شركة قطر للطاقة إلى إعلان حالة القوة القاهرة بعد أيام من اندلاع الأعمال العدائية.
وتشير التقديرات إلى أن إجمالي خسائر الإمدادات من دول الخليج خلال شهري مارس وأبريل قد يصل إلى 20 مليار متر مكعب، وهو ما يمثل ضربة كبيرة للسوق العالمية، خاصة في ظل الدور المحوري الذي تلعبه قطر كأحد أكبر مصدري الغاز الطبيعي المسال في العالم.
وعلى المدى المتوسط، تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يؤدي هذا الاضطراب إلى تأخير نمو إمدادات الغاز العالمية لمدة تصل إلى عامين، نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية وتأثيرها على مشاريع التوسع المستقبلية.
كما تشير التوقعات إلى خسارة تراكمية قد تصل إلى 120 مليار متر مكعب من الإمدادات خلال الفترة بين 2026 و2030.
ويمتد تأثير الأزمة إلى دول أخرى في المنطقة، حيث تأثرت إمدادات الغاز إلى العراق نتيجة توقف تدفقات الغاز الإيراني عبر خطوط الأنابيب، ما زاد من حدة أزمة الطاقة والكهرباء في البلاد.
وسجلت دول مثل السعودية والبحرين والكويت تعرضها لهجمات، وإن كان تأثيرها على قطاع الغاز أقل وضوحاً حتى الآن.
ورغم هذه الخسائر، ساهمت زيادة الإمدادات من خارج قطر في تخفيف جزء من النقص، خاصة مع دخول محطات تسييل جديدة إلى الخدمة، كانت قد أُقرّت استثماراتها في السنوات السابقة. إلا أن هذه الزيادات لم تكن كافية لتعويض الفجوة الكبيرة الناتجة عن تعطل الإمدادات من منطقة الخليج.
وتؤكد وكالة الطاقة الدولية أن الأزمة كشفت عن هشاشة نظام إمدادات الغاز العالمي، وأبرزت الحاجة إلى استثمارات مستمرة في سلاسل التوريد ومصادر الطاقة البديلة لتعزيز أمن الطاقة.
كما شددت على أهمية تنويع العقود طويلة الأجل لتقليل تقلبات الأسعار وحماية الأسواق من الصدمات المفاجئة.
وتواجه الأسواق العالمية حالة من عدم اليقين بشأن مدة استمرار تعطل مضيق هرمز، وهو العامل الأكثر تأثيراً في تحديد مسار الطلب والأسعار خلال الفترة المقبلة. وتحذر الوكالة من أن إعادة استئناف تدفقات الطاقة بشكل طبيعي قد تستغرق وقتاً طويلاً حتى بعد إعادة فتح الممر المائي.
وتعكس هذه التطورات تحوّلاً عميقاً في سوق الطاقة العالمي، حيث باتت الصراعات الجيوسياسية تلعب دوراً حاسماً في تحديد توازن العرض والطلب، ما يضع الدول المستهلكة أمام تحديات متزايدة لضمان أمن إمداداتها في بيئة دولية شديدة التقلب.





