العقوبات والحصار يشعلان فوضى أسواق النفط وسط تناقضات غربية وتوسع تجارة الخام الروسي

مضيق هرمز

شارك

دخلت أسواق النفط العالمية مرحلة غير مسبوقة من الاضطراب والتشابك نتيجة تداخل العقوبات الغربية والحصار البحري والحروب الإقليمية، في وقت بدأت فيه الولايات المتحدة وأوروبا التراجع تدريجياً عن بعض القيود المفروضة على النفط الروسي بسبب المخاوف من نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار بعد الحرب مع إيران.

وشبّه الخبير في شؤون الطاقة روبن ميلز الوضع الحالي بحروب الحصار القديمة، معتبراً أن القوى الغربية خلقت “حصاراً متبادلاً معقداً” يشبه ما حدث في معركة أليسيا الشهيرة خلال عهد يوليوس قيصر، لكن دون امتلاك القدرة على إدارة الأزمة بالفاعلية نفسها.

وقد نجحت إيران خلال الحرب الأخيرة في تعطيل جزء كبير من حركة الملاحة من وإلى الخليج، عبر محاولات فرض سيطرة فعلية على العبور في مضيق هرمز، وهو ما تسبب باضطرابات واسعة في أسواق الطاقة العالمية.

وفي المقابل، كانت الولايات المتحدة قد فرضت عقوبات مشددة على النفط الإيراني قبل الحرب، لكنها اضطرت لاحقاً إلى تخفيف بعض القيود والسماح للهند بشراء كميات محدودة من الخام الإيراني لتخفيف الضغط على الأسواق، قبل أن تعود إلى فرض حصار فعلي مع تصاعد الأزمة.

كما واصلت أوروبا والولايات المتحدة وبريطانيا تشديد العقوبات على النفط الروسي منذ الحرب في أوكرانيا، إلا أن هذه العقوبات لم تمنع موسكو من مواصلة تصدير النفط إلى دول مثل الصين والهند عبر مسارات بديلة وأسواق ثالثة.

ومنذ يناير الماضي، فرض الاتحاد الأوروبي حظراً على استيراد المنتجات المكررة المصنوعة من النفط الروسي في دول ثالثة، مثل الهند وتركيا، في محاولة لسد الثغرات التي سمحت باستمرار تدفق الوقود الروسي إلى الأسواق الأوروبية بصورة غير مباشرة.

بالتوازي مع ذلك، صعّدت أوكرانيا هجماتها ضد منشآت النفط والموانئ الروسية، ما أدى إلى تعطيل أو تقليص عمل معظم المصافي في وسط روسيا خلال الأسابيع الأخيرة.

وتراجعت صادرات المنتجات النفطية الروسية بنحو 10 بالمئة الشهر الماضي مقارنة بشهر مارس، فيما انخفضت صادرات الخام إلى نحو 2.78 مليون برميل يومياً خلال مايو، مقابل 4.47 مليون برميل يومياً في الشهر السابق.

لكن ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب حرب الخليج عوض جزءاً كبيراً من خسائر روسيا، إذ ارتفع سعر خام الأورال الروسي بنسبة 67 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

وفي تحول لافت، منحت الولايات المتحدة في مارس إعفاءات مؤقتة للنفط الروسي الموجود بالفعل في البحر، بهدف تخفيف الضغط على السوق بعد إغلاق مضيق هرمز، قبل أن يعلن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت تمديد الإعفاءات لمدة إضافية.

كما أدى تخفيف العقوبات وحاجة الهند إلى بدائل عن نفط الخليج إلى ارتفاع وارداتها من النفط الروسي مجدداً إلى نحو 1.95 مليون برميل يومياً خلال مايو، وهو مستوى يقترب من أعلى المعدلات المسجلة.

وفي السياق نفسه، استأنفت اليابان مطلع مايو شراء النفط الروسي لأول مرة منذ أشهر، بسبب أزمة الطاقة والاضطرابات المرتبطة بالحرب في الخليج.

أما بريطانيا، التي كانت من أكثر الدول تشدداً تجاه روسيا، فقد أعلنت تخفيفاً جزئياً للعقوبات عبر استثناء وقود الطائرات والديزل من الحظر المفروض على المنتجات المصنعة من النفط الروسي، بسبب مخاوف من ارتفاع الأسعار ونقص الإمدادات مع اقتراب موسم السفر الصيفي.

وكشفت هذه الخطوة عن حجم القلق الأوروبي من أزمة وقود الطائرات والديزل، خاصة أن أوروبا تعتمد بصورة كبيرة على الواردات القادمة من الخليج والمنتجات المكررة المصنوعة من النفط الروسي.

وأشار ميلز إلى أن بريطانيا أصبحت أكثر هشاشة أمام تقلبات أسواق الطاقة بعد تراجع عدد مصافي النفط من 18 مصفاة في سبعينيات القرن الماضي إلى أربع مصافٍ فقط حالياً.

وأضاف أن النفط الروسي والخليجي يتميز بإنتاج كميات كبيرة من الديزل ووقود الطائرات، بينما يتركز إنتاج النفط الصخري الأمريكي على البنزين والنفتا، ما يجعل تعويض النقص أكثر تعقيداً بالنسبة للأسواق الأوروبية.

ورغم استبعاد حدوث نقص كامل في وقود الطائرات، توقع التقرير استمرار ارتفاع الأسعار عالمياً مع اضطرار المصافي لتحويل جزء أكبر من إنتاجها نحو الوقود الجوي على حساب منتجات أخرى.

كما اعتبر أن تراجع لندن عن تشددها في العقوبات يبعث برسالة سلبية بشأن تماسك الموقف الغربي تجاه موسكو، ويكشف حجم التردد السياسي في إدارة أزمة الطاقة الحالية.

وبحسب خبراء فإن القادة الغربيين يحتاجون إلى “شجاعة وعبقرية استراتيجية” لإدارة أزمة الطاقة والحصار والعقوبات، في ظل تعقيدات غير مسبوقة تضرب أسواق النفط العالمية منذ اندلاع الحرب مع إيران.

شارك

Facebook
X
WhatsApp
LinkedIn
Telegram
Email

قد يعجبك أيضاً