أعاد البرلمان الإيراني انتخاب محمد باقر قاليباف رئيساً للمجلس لمدة عام جديد، في خطوة تعزز موقعه كأحد أبرز أركان النظام الإيراني في مرحلة تشهد تصاعداً حاداً للخلافات داخل المعسكر المحافظ حول المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة ومستقبل السياسة الخارجية الإيرانية.
وحصل قاليباف خلال جلسة التصويت التي عُقدت الاثنين على 235 صوتاً، متفوقاً بفارق كبير على منافسه المتشدد محمد تقي نقدي علي الذي نال 29 صوتاً فقط، فيما حصل النائب عثمان سالاري على 7 أصوات، إضافة إلى خمسة أصوات بيضاء، بحسب ما نقلته وكالة “إيسنا” الإيرانية.
واعتبرت صحيفة “انتخاب” الإصلاحية أن نتائج التصويت كشفت الحجم الحقيقي للتيار المتشدد داخل البرلمان، قائلة إن عدد “المتطرفين الصاخبين” لا يتجاوز 29 نائباً.
وجاءت إعادة انتخاب قاليباف في وقت حساس سياسياً داخل إيران، مع تصاعد النقاشات والانقسامات حول المحادثات غير المباشرة الجارية بين طهران وواشنطن، والتي شهدت خلال الأسابيع الأخيرة زخماً متزايداً وسط حديث أمريكي عن اقتراب التوصل إلى اتفاق.
ويُعد قاليباف، القائد السابق في الحرس الثوري ورئيس بلدية طهران الأسبق، من أبرز الشخصيات المؤثرة داخل المؤسسة السياسية الإيرانية، وقد لعب دوراً بارزاً منذ اندلاع الحرب الإقليمية في 28 فبراير الماضي.
كما شارك بصورة مباشرة في إدارة الاتصالات غير المباشرة مع الولايات المتحدة، وتم تكليفه خلال الفترة الأخيرة بمهام دبلوماسية خاصة، بينها العمل كمبعوث إيراني إلى الصين في إطار التحركات السياسية المرتبطة بالأزمة الإقليمية.
ويرى مراقبون أن فوزه بولاية جديدة يعكس استمرار نفوذ التيار البراغماتي داخل النظام الإيراني، والذي يدفع باتجاه إدارة أكثر مرونة للضغوط الخارجية والعقوبات الاقتصادية، في مقابل جناح متشدد يرفض تقديم تنازلات لواشنطن.
وقبل جلسة التصويت، تحدثت تقارير إعلامية إيرانية عن حملات ضغط منسقة استهدفت قاليباف، شملت تحركات إعلامية وسياسية داخل البرلمان لمحاولة منعه من الاحتفاظ بمنصبه.
ونقلت وكالة “إيلنا” عن النائب روح الله لك علي آبادي قوله إن خصوم قاليباف حاولوا تصوير دعمه لمسار التفاوض مع الولايات المتحدة باعتباره “انحرافاً سياسياً”، رغم أن ملف التفاوض يخضع بشكل مباشر لسلطة المرشد الإيراني آية الله مجتبى خامنئي.
وتعكس هذه المواجهة حجم الانقسام داخل التيار المحافظ الإيراني بشأن طريقة التعامل مع الأزمة الحالية، خاصة مع تصاعد الضغوط الاقتصادية وتداعيات الحرب والعقوبات الغربية.
ويتبنى قاليباف، وفق مراقبين، نهجاً أكثر براغماتية في التعامل مع الملفات الخارجية، خصوصاً في ظل الأزمة الاقتصادية المتفاقمة والحاجة إلى تخفيف الضغوط المفروضة على إيران.
في المقابل، لا تزال شخصيات متشددة مقربة من الحرس الثوري تنظر بعين الشك إلى أي اتفاق محتمل مع الولايات المتحدة، معتبرة أن واشنطن تسعى لفرض تنازلات استراتيجية على إيران مقابل تخفيف محدود للعقوبات.
وتتركز الخلافات الأساسية داخل المؤسسة الإيرانية حول قضايا تخفيف العقوبات، ومستويات تخصيب اليورانيوم، ومستقبل البرنامج النووي، إضافة إلى الملفات الأمنية المرتبطة بمضيق هرمز والنفوذ الإقليمي الإيراني.
وتزامنت إعادة انتخاب قاليباف مع تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو تحدثت عن إحراز تقدم في المفاوضات مع إيران واقتراب التوصل إلى اتفاق “متين”، رغم نفي طهران وجود اتفاق نهائي حتى الآن.
كما ينظر إلى قاليباف باعتباره أحد أبرز المرشحين للعب دور سياسي أكبر خلال المرحلة المقبلة، خاصة في ظل تنامي حضوره داخل البرلمان ومؤسسات الدولة وتزايد اعتماده كواجهة سياسية لإدارة الملفات الخارجية الحساسة.
ويرى محللون أن نتيجة التصويت تعكس أيضاً رغبة جزء كبير من المؤسسة الإيرانية في الحفاظ على توازن داخلي يمنع هيمنة التيار المتشدد بالكامل على القرار السياسي، خصوصاً مع تعقيدات الحرب الإقليمية والضغوط الاقتصادية المتزايدة.
وتبقى المفاوضات مع واشنطن الملف الأكثر حساسية داخل إيران حالياً، حيث تخشى أجنحة متشددة من أن يؤدي أي اتفاق جديد إلى إضعاف نفوذها السياسي والعسكري، بينما ترى أطراف أخرى أن استمرار المواجهة دون تسوية قد يدفع البلاد نحو أزمة اقتصادية وأمنية أعمق.





