صعّدت الإدارة الأمريكية ضغوطها الاقتصادية والسياسية على كوبا، في إطار حملة يقودها وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي أكد أن واشنطن لن تمنح هافانا أي فرصة للإفلات من العقوبات، متعهداً بمواصلة تشديد الإجراءات خلال الفترة المقبلة.
وقال روبيو إن السياسة الأمريكية الحالية تهدف إلى إغلاق جميع المنافذ التي يمكن أن تستخدمها الحكومة الكوبية للتخفيف من آثار العقوبات، مؤكداً أن بلاده تعمل على حرمان القيادة الكوبية من أي “صمامات هروب” تمكنها من تجاوز الأزمة الاقتصادية المتفاقمة.
وشهد العام الماضي تنفيذ ما يقارب عشرين إجراءً أمريكياً جديداً ضد كوبا، شملت فرض عقوبات على نحو 40 كياناً اقتصادياً وحكومياً يعمل في قطاعات الوقود والمصارف والتعدين، إضافة إلى شركات أجنبية تنشط داخل الجزيرة.
كما استهدفت الإجراءات الأمريكية ما لا يقل عن 38 شخصية كوبية بعقوبات اقتصادية وقيود على التأشيرات وإلغاء بعض الامتيازات، إلى جانب حملة دبلوماسية للضغط على دول أخرى من أجل وقف التعاون مع برنامج تصدير الأطباء الكوبيين، الذي تصفه واشنطن بأنه شكل من أشكال الاتجار بالبشر.
وفي موازاة العقوبات، كثفت الإدارة الأمريكية إصدار تقارير تنتقد سجل كوبا في مجالات حقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب، كما اتهمتها بممارسة أنشطة سياسية معادية للولايات المتحدة ودعم توجهات مناهضة للرأسمالية في عدد من الدول.
وتقول الإدارة الأمريكية إن هذه الضغوط دفعت الاقتصاد الكوبي إلى مرحلة أكثر هشاشة، في ظل اعتماد الجزيرة على الواردات الأمريكية لتأمين جانب كبير من احتياجاتها من الغذاء والوقود والأدوية والعملات الأجنبية، رغم استمرار الحظر المفروض عليها منذ عقود.
وفي تطور لافت، أعلنت الحكومة الكوبية السماح بمساحة أوسع لنشاط القطاع الخاص، في خطوة اعتبرها مراقبون أكبر تحول اقتصادي منذ ثورة عام 1959، بينما رأى روبيو أن هذه الإصلاحات ليست سوى محاولة للالتفاف على العقوبات الأمريكية، مؤكداً أن واشنطن ستواصل إغلاق أي منفذ اقتصادي جديد يظهر أمام الحكومة الكوبية.
وأشار إلى أن الشركات الأجنبية بدأت تغادر السوق الكوبية تحت ضغط العقوبات، بينما تواجه المؤسسات الحكومية صعوبات متزايدة في تأمين الوقود وإدارة التجارة الخارجية، الأمر الذي أسهم في توسع السوق السوداء داخل البلاد.
وأظهرت بيانات تجارية ارتفاع صادرات الوقود الأمريكية إلى كوبا خلال النصف الأول من العام إلى نحو 96 مليون دولار، مع تسجيل قفزة كبيرة في يونيو، في وقت تزايدت فيه الضغوط الاقتصادية على هافانا.
كما اعتبر مسؤولون أمريكيون أن الأزمة تفاقمت بعد تراجع الدعم الفنزويلي، الذي كان يمثل لعقود أحد أهم مصادر الطاقة والتمويل للاقتصاد الكوبي، حيث انخفضت كميات النفط المرسلة من كاراكاس بصورة كبيرة، ما انعكس على إنتاج الكهرباء وإمدادات الوقود داخل الجزيرة.
وأكد روبيو أن كوبا تواجه للمرة الأولى وضعاً غير مسبوق يتمثل في غياب الداعم الخارجي التقليدي، إلى جانب تركيز الإدارة الأمريكية الكامل على تشديد الضغوط عليها، مضيفاً أن هذا الواقع يضع الحكومة الكوبية أمام أزمة متصاعدة.
وفي الجانب القانوني، بدأت دعاوى جديدة تستند إلى قانون “ليبرتاد” الأمريكي، الذي يسمح للمواطنين الأمريكيين بمقاضاة الشركات التي تستثمر أو تتعامل مع ممتلكات صودرت بعد الثورة الكوبية، وهو قانون يربط إنهاء الحظر بإطلاق السجناء السياسيين وضمان الحقوق المدنية وإجراء انتخابات حرة.
وتواجه هذه السياسة انتقادات دولية متواصلة، إذ تعتبر دول ومنظمات عديدة أن الحصار الأمريكي يمثل إجراءً أحادياً يفاقم الأزمة الإنسانية والاقتصادية في كوبا، بينما ترفض واشنطن هذه الانتقادات وتؤكد أن العقوبات تستهدف النظام الحاكم وليس الشعب الكوبي.
وفي المقابل، تؤكد الإدارة الأمريكية أنها تواصل البحث عن سبل لدفع تغيير سياسي داخل الجزيرة، بما في ذلك إجراء اتصالات مع شخصيات كوبية تعتبرها قادرة على لعب دور في مرحلة انتقالية مستقبلية، إلى جانب السعي لاستقطاب مسؤولين من داخل مؤسسات الدولة لتشكيل تحالف مؤيد للإصلاح.
كما كشف مسؤولون أمريكيون أن الإدارة تدرس فرض حزمة إضافية من العقوبات خلال الفترة المقبلة، مؤكدين أن استراتيجية واشنطن تقوم على الضغط المتواصل وطويل الأمد لإحداث تغيير في المشهد السياسي الكوبي.
وشدد روبيو على أن الإدارة الأمريكية لا تستعجل النتائج، معتبراً أن سياسة “الصبر والمثابرة” ستكون العامل الحاسم في تحقيق أهدافها، وأضاف أن ثقته كبيرة في أن كوبا ستكون، مع انتهاء ولاية الإدارة الحالية، قد دخلت مرحلة وصفها بأنها “مسار لا رجعة فيه نحو مستقبل مختلف”.





