أثارت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن إمكانية إسناد دور لسوريا في التعامل مع حزب الله موجة من الجدل في لبنان، وسط مخاوف من احتمال عودة التدخل العسكري السوري، في وقت سارعت فيه دمشق إلى طمأنة المسؤولين اللبنانيين بالتأكيد أنها لا تعتزم إرسال قوات إلى الأراضي اللبنانية أو الانخراط في أي دور عسكري هناك.
وجاءت تصريحات ترامب بعد سلسلة من المواقف التي ألمح فيها إلى إمكانية أن تضطلع دمشق بدور في معالجة ملف حزب الله، معتبراً أن القيادة السورية قد تكون أكثر قدرة على التعامل مع هذا الملف، في ظل استمرار المواجهة بين إسرائيل والحزب.
وفي أحدث تصريحاته، أعرب ترامب عن استيائه من أداء إسرائيل في حربها ضد حزب الله، قائلاً إنها لم تتمكن من تحقيق أهدافها من دون التسبب بدمار واسع، مضيفاً أنه “قد يترك الأمر لسوريا”، من دون أن يوضح طبيعة الدور الذي يقصده، ما فتح الباب أمام تكهنات بشأن احتمال تكليف دمشق بمهمة عسكرية أو أمنية أو سياسية تتعلق بالحزب.
ورغم الغموض الذي أحاط بتلك التصريحات، فإنها جاءت ضمن سلسلة مواقف أمريكية متتالية أوحت بإمكانية منح سوريا دوراً في ترتيبات ما بعد الحرب، وهو ما أثار قلقاً في الأوساط اللبنانية بالنظر إلى تاريخ الوجود العسكري السوري في لبنان الذي استمر لعقود قبل انسحاب القوات السورية عام 2005.
وتعود بداية الحديث عن هذا السيناريو إلى تقارير أشارت إلى أن واشنطن ناقشت مع دمشق إمكانية قيام الجيش السوري بدور أمني على الحدود الشرقية للبنان للمساعدة في الحد من نفوذ حزب الله، إلا أن مسؤولين أمريكيين نفوا لاحقاً ممارسة أي ضغوط على سوريا لإرسال قوات إلى لبنان.
وفي المقابل، أكدت مصادر سورية أن القيادة السورية ناقشت هذه الطروحات داخلياً، لكنها خلصت إلى رفض أي تدخل عسكري داخل الأراضي اللبنانية، معتبرة أن مثل هذه الخطوة قد تجر سوريا إلى صراع إقليمي جديد وتزيد من التوترات الأمنية والطائفية في المنطقة.
كما أفادت مصادر لبنانية بأن السلطات في بيروت تلقت رسائل مباشرة من دمشق تؤكد عدم وجود أي خطط لإرسال قوات سورية إلى لبنان، وأن القيادة السورية لا تنوي استعادة أي دور عسكري داخل الأراضي اللبنانية.
وأضافت المصادر أن دمشق أوضحت للمسؤولين اللبنانيين أنها تفضل التنسيق مع حلفائها الإقليميين، وفي مقدمتهم السعودية وقطر وتركيا، من أجل مواجهة أي ضغوط قد تمارس عليها للانخراط عسكرياً في الملف اللبناني.
وفي محاولة لتبديد المخاوف، أكد الرئيس السوري أحمد الشرع، خلال لقاءات وتصريحات إعلامية متتالية، أن الحديث عن دخول قوات سورية إلى لبنان لا يستند إلى أي أساس، مشدداً على أن رؤية دمشق تقوم على دعم الدولة اللبنانية ومؤسساتها وليس إرسال قوات أو القيام بأي دور عسكري.
وأوضح الشرع أن المناقشات التي جرت مع المسؤولين الأمريكيين ركزت على سبل إنهاء الحرب وتعزيز الاستقرار، من خلال مقاربات سياسية واقتصادية واجتماعية، وليس عبر تدخل عسكري سوري.
وأكد أن بلاده تؤيد بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها عبر مؤسساتها الشرعية، مشيراً إلى أن دمشق تسعى إلى تطوير التعاون الاقتصادي بين البلدين وفتح قنوات للتنسيق المدني والتجاري، وليس إنشاء ترتيبات عسكرية جديدة.
وأضاف أن سوريا مستعدة للحوار مع جميع الأطراف اللبنانية، بما في ذلك حزب الله، إذا كان ذلك يسهم في تحقيق الاستقرار وخدمة المصالح المشتركة بين البلدين، رغم ما وصفه بالتداعيات التي خلفها تدخل الحزب في الحرب السورية خلال السنوات الماضية.
من جهته، رحب الرئيس اللبناني جوزيف عون بالتوضيحات السورية، معتبراً أنها ساهمت في تهدئة المخاوف التي سادت الأوساط السياسية والشعبية في لبنان عقب تصريحات ترامب، وأكد أهمية احترام سيادة لبنان وعدم العودة إلى أي صيغ تدخل عسكري خارجي.
ويرى مراقبون أن التصريحات الأمريكية، رغم نفي دمشق المتكرر، أعادت إلى الواجهة النقاش حول مستقبل الدور السوري في لبنان، في ظل استمرار الضغوط الأمريكية والإسرائيلية الرامية إلى الحد من نفوذ حزب الله، بالتزامن مع ترتيبات أمنية وسياسية تشهدها المنطقة عقب الحرب الأخيرة.
ويشير محللون إلى أن تمسك دمشق برفض أي تدخل عسكري يعكس رغبتها في تجنب الانخراط في صراع جديد، خصوصاً في ظل أولوياتها الداخلية المتعلقة بإعادة الإعمار واستعادة الاستقرار، فيما تبقى طبيعة الدور الذي قد تطلبه واشنطن من سوريا في الملف اللبناني محل تساؤلات، مع استمرار الغموض حول مستقبل العلاقة بين دمشق وحزب الله، وآليات التعامل مع هذا الملف خلال المرحلة المقبلة.





