كشفت منظمة “هيومن رايتس ووتش” عن تصاعد ممارسات الاحتجاز التعسفي في مصر، مؤكدة أن السلطات ترد على المطالبات الحقوقية بإنهاء الأزمة عبر مزيد من الاعتقالات التي تستهدف عائلات المعتقلين والمحامين والصحفيين والنشطاء والمفرج عنهم سابقًا.
وقال عمرو مجدي، الباحث الأول في قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالمنظمة، إن الاحتجاز التعسفي بات إحدى أكثر القضايا الحقوقية والسياسية إلحاحًا في مصر، في ظل تأثيره على عشرات آلاف العائلات، بينما تستمر السلطات في توسيع دائرة الملاحقات بدلًا من معالجة جذور الأزمة.
وأبرز التقرير واقعة حدثت في 12 مايو/أيار داخل مقر حزب سياسي في القاهرة، حيث نظم أقارب سجناء فعالية ومعرض صور للمطالبة بالإفراج عن ذويهم، قبل أن تتحول المناسبة إلى سبب لملاحقة عدد من المشاركين.
وبحسب التقرير، استدعى قطاع الأمن الوطني المصري خلال الأيام التالية عددًا من الحاضرين للتحقيق، ثم اعتقلت السلطات بعض منظمي الفعالية.
وشملت الاعتقالات المحامية وفاء المصري والمحامي محمد أبو الديار والناشطة حنان الطنطاوي في 25 مايو/أيار، حيث وُجهت إليهم اتهامات بينها “نشر أخبار كاذبة”، وهي تهمة تقول منظمات حقوقية إنها تُستخدم بشكل متكرر ضد المنتقدين السلميين.
وأفرجت نيابة أمن الدولة لاحقًا عن الطنطاوي والمصري بكفالة بعد جلسات استجواب مطولة، بينما بقي المحامي محمد أبو الديار محتجزًا، مع إضافة اتهام آخر له يتعلق بـ”الانضمام إلى جماعة محظورة”.
واعتبر التقرير أن هذه الحالات تعكس نمطًا مستمرًا في التعامل الأمني مع الأصوات المطالبة بالإفراج عن السجناء أو تحسين أوضاع الاحتجاز.
وأشار إلى أن الاعتقالات لم تقتصر على النشطاء الحاليين، بل طالت أشخاصًا سبق الإفراج عنهم بعد سنوات طويلة داخل السجون.
ومن بين أبرز الحالات، إعادة اعتقال الناشط أحمد دومة في 6 أبريل/نيسان، بعد أن كان قد أمضى نحو 10 سنوات في السجن قبل الإفراج عنه عام 2023 بموجب عفو رئاسي.
وجاءت إعادة توقيف دومة بعد نشره مقالًا تناول فيه ظروف الاحتجاز التي تعرض لها، قبل أن تتم إدانته والحكم عليه بالسجن لمدة عام في 3 يونيو/حزيران.
كما أشار التقرير إلى قضية سيد مشاغب، القائد السابق لإحدى مجموعات مشجعي كرة القدم “الألتراس”، والذي أعيد اعتقاله في 16 أبريل/نيسان بعد ساعات قليلة فقط من الإفراج عنه عقب 11 عامًا من الحبس.
وبحسب المعلومات الواردة، استندت السلطات إلى مقاطع فيديو أظهرت تجمعًا صغيرًا للاحتفال بخروجه أمام منزله، لتوجيه اتهامات له ولخمسة آخرين بـ”قطع طريق عام” و”إثارة الشغب”.
ولا يزال الستة محتجزين دون محاكمة. وقالت المنظمة إن الإجراءات الرسمية التي تعلنها الحكومة المصرية لمعالجة الملف، مثل قرارات العفو الرئاسي أو أوامر الإفراج المحدودة التي تصدرها النيابة العامة لبعض المحتجزين، لا تزال غير كافية لمعالجة الأزمة.
وأوضحت أن هذه الخطوات تمنح أحيانًا مؤشرات محدودة على الانفراج، لكنها تبقى استثناءات مقابل استمرار نمط الاعتقالات الجديدة وإعادة توقيف مفرج عنهم.
وأكد التقرير أن أجهزة الأمن تواصل استهداف أشكال مختلفة من التعبير والمعارضة، بما يشمل الصحفيين أثناء أداء عملهم، ونشطاء حقوق الإنسان، وأشخاصًا يعبرون عن آرائهم عبر الإنترنت.
وترى منظمات حقوقية أن استمرار هذه السياسات يتناقض مع الوعود الحكومية المتكررة بشأن الإصلاح وتحسين أوضاع حقوق الإنسان.
واختتم التقرير بالتأكيد أن استمرار دائرة الاعتقالات وإعادة الاعتقال يعمق ما وصفه بأطول أزمة حقوقية في تاريخ مصر المعاصر، وسط مطالب متجددة بوقف الاحتجاز التعسفي وضمان الحقوق الأساسية وفتح المجال العام.




