أظهرت دراسة حديثة أن نموذج ذكاء اصطناعي طورته مايو كلينك قادر على المساعدة في اكتشاف سرطان البنكرياس قبل التشخيص بما يصل إلى ثلاث سنوات، في تطور قد يشكل تحولاً في التعامل مع أحد أكثر أنواع السرطان فتكاً في العالم.
وكشفت النتائج، التي نُشرت في مجلة Gut، أن النموذج يستطيع رصد مؤشرات خفية في فحوصات التصوير المقطعي المحوسب للبطن حتى قبل ظهور الأورام بشكل مرئي، وهو ما يفتح الباب أمام التدخل المبكر وإمكانية العلاج الفعال.
واعتمد الباحثون على تحليل نحو 2000 صورة مقطعية، بينها فحوصات لمرضى تم تشخيص إصابتهم لاحقاً بسرطان البنكرياس، رغم أن هذه الصور صُنّفت في الأصل على أنها طبيعية.
وأظهر النموذج، الذي يحمل اسم REDMOD، قدرة على اكتشاف 73% من هذه الحالات قبل التشخيص بمتوسط يبلغ نحو 16 شهراً، وهو معدل يقارب ضعف أداء الأطباء دون دعم الذكاء الاصطناعي.
وأبرزت الدراسة أن الفارق كان أكبر في المراحل المبكرة، حيث تمكن النظام من رصد عدد حالات يقارب ثلاثة أضعاف الحالات التي كان من الممكن أن تمر دون اكتشاف إذا اعتمد فقط على التقييم البشري.
ويُعد سرطان البنكرياس من أخطر أنواع السرطان نظراً لصعوبة اكتشافه في مراحله الأولى، إذ غالباً ما يتم تشخيصه بعد أن يكون قد بدأ بالانتشار، ما يؤدي إلى انخفاض معدل البقاء على قيد الحياة إلى أقل من 5%. وتشير التوقعات إلى أنه قد يصبح ثاني أكثر أسباب الوفاة المرتبطة بالسرطان في الولايات المتحدة بحلول عام 2030.
وأوضح الباحث الرئيسي في الدراسة، الطبيب أجيت جوينكا، أن التحدي الأكبر في مواجهة هذا المرض يتمثل في عدم القدرة على رصده في الوقت الذي يكون فيه قابلاً للعلاج، مشيراً إلى أن النموذج الجديد قادر على تحديد “بصمة السرطان” حتى في بنكرياس يبدو طبيعياً في الصور التقليدية.
ويعتمد نموذج REDMOD على تحليل مئات الخصائص الكمية للصور الطبية، بما في ذلك نسيج الأنسجة وبنيتها، ما يمكنه من التقاط التغيرات البيولوجية الدقيقة التي تسبق ظهور الورم.
وقد صُمم ليعمل على صور الأشعة التي تُلتقط لأغراض أخرى، خاصة لدى الفئات المعرضة للخطر مثل المرضى الذين يعانون من داء السكري حديث الظهور.
وأظهرت النتائج أيضاً أن أداء النموذج ظل مستقراً عبر الزمن، حيث قدم تحليلات متسقة لدى المرضى الذين خضعوا لفحوصات متعددة، ما يعزز إمكانية استخدامه في المتابعة الطويلة والكشف المبكر.
ويأتي هذا البحث ضمن جهود أوسع تقودها مايو كلينك في إطار مبادرة “الوقاية”، التي تهدف إلى التنبؤ بالأمراض قبل ظهور أعراضها من خلال تحليل المؤشرات البيولوجية المبكرة.
ويعمل الباحثون حالياً على نقل هذه النتائج إلى المرحلة السريرية من خلال تجارب عملية، في خطوة قد تمهد لاعتماد الذكاء الاصطناعي كأداة أساسية في برامج الفحص المبكر، خصوصاً للأمراض التي يصعب اكتشافها في مراحلها الأولى.
ويمثل هذا التطور تقدماً مهماً في توظيف الذكاء الاصطناعي في المجال الطبي، حيث لا يقتصر دوره على دعم الأطباء، بل يمتد إلى تغيير قواعد التشخيص نفسها، عبر الانتقال من اكتشاف المرض بعد ظهوره إلى توقعه قبل أن يصبح مرئياً.





