شكّل انعقاد أول منتدى أعمال مشترك بين الإمارات العربية المتحدة وسوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد مؤشرًا واضحًا على تسارع إعادة دمج دمشق في الاقتصاد الإقليمي والدولي، وسط اندفاع خليجي لاقتناص فرص الاستثمار في مرحلة ما بعد العقوبات.
ويأتي المنتدى، الذي احتضنته العاصمة السورية بمشاركة وفد إماراتي رفيع من مسؤولين ورجال أعمال، في لحظة مفصلية تسعى فيها سوريا لإعادة بناء اقتصادها المنهك، مستفيدة من تحولات سياسية واقتصادية كبرى، أبرزها رفع العقوبات الغربية وعودة المؤسسات المالية الدولية للتعامل معها.
وأكد وزير الدولة الإماراتي للتجارة الخارجية ثاني الزيودي أن المنتدى يهدف إلى “بلورة مشاريع مشتركة قائمة على المصالح المتبادلة”، في إشارة إلى توجه أبوظبي لتثبيت حضور اقتصادي مبكر في السوق السورية.
ويعكس هذا التحرك استراتيجية إماراتية أوسع تقوم على الاستثمار في الدول الخارجة من الأزمات، حيث تتيح مراحل إعادة الإعمار فرصًا كبيرة لتحقيق عوائد طويلة الأمد، خاصة في قطاعات البنية التحتية والطاقة والموانئ.
ويبرز في هذا السياق دخول شركات إماراتية كبرى على خط الاستثمار، من بينها موانئ دبي العالمية، التي وقعت اتفاقية لإدارة ميناء طرطوس لمدة 30 عامًا، باستثمارات تصل إلى 800 مليون دولار، إلى جانب تحركات لشركات الطاقة مثل دانة غاز لإعادة تطوير حقول الغاز.
ويأتي هذا الانفتاح الاقتصادي بعد تحولات جوهرية في البيئة الدولية، حيث رفعت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي العقوبات الاقتصادية عن سوريا خلال عام 2025، ما فتح الباب أمام عودة التدفقات المالية والاستثمارات الأجنبية.
كما استعادت دمشق ارتباطها بالنظام المالي العالمي، مع إعادة تفعيل خدمات الدفع عبر فيزا وماستركارد، وعودة بنوك إقليمية للعمل، إلى جانب خطوات للانضمام مجددًا إلى شبكة سويفت، ما يعزز قدرة الاقتصاد السوري على استقطاب رؤوس الأموال.
وتشير التقديرات إلى أن تكلفة إعادة إعمار سوريا قد تصل إلى 216 مليار دولار، وهو رقم ضخم يعادل نحو عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، ما يجعلها واحدة من أكبر فرص الاستثمار في المنطقة.
وفي هذا السياق، تتنافس دول الخليج وتركيا على حجز موقع متقدم في مشاريع إعادة الإعمار، خاصة في قطاعات الطاقة، حيث تسعى دمشق إلى استعادة إنتاجها النفطي الذي تراجع بنسبة 80% خلال سنوات الحرب.
وتحتاج سوريا إلى أكثر من 30 مليار دولار لإعادة تأهيل قطاعات النفط والغاز والكهرباء والمياه، ما يجعل هذه المجالات هدفًا رئيسيًا للاستثمارات الخليجية.
ورغم المؤشرات الإيجابية، يواجه الاقتصاد السوري تحديات كبيرة، أبرزها البيروقراطية وضعف البيئة التنظيمية، إلى جانب التحديات الاجتماعية المرتبطة بعودة النازحين وتحسين مستويات المعيشة.
وحذر مسؤولون صناعيون سوريون من أن نجاح إعادة الإعمار يتطلب تحسين الظروف المعيشية، مؤكدين أن الاستثمار وحده لن يكون كافيًا دون إصلاحات اقتصادية عميقة.
ويحمل المنتدى دلالات تتجاوز الاقتصاد، إذ يعكس تحولًا في موازين العلاقات الإقليمية، مع سعي الإمارات للعب دور محوري في إعادة تشكيل المشهد الاقتصادي في سوريا.
كما يشير إلى تراجع العزلة الدولية التي عانت منها دمشق لسنوات، وعودة تدريجية إلى النظام الاقتصادي العالمي، بدعم من قوى إقليمية تسعى لتحقيق مصالح استراتيجية طويلة الأمد.
ويرى محللون أن التحرك الإماراتي يمثل بداية موجة أوسع من الاستثمارات الخليجية، لكنه في الوقت ذاته يحمل مخاطر مرتبطة بعدم استقرار البيئة السياسية والاقتصادية.
وفي المقابل، يمنح هذا الانفتاح سوريا فرصة نادرة لإعادة بناء اقتصادها، بشرط قدرتها على إدارة الاستثمارات بشكل فعال وتحقيق توازن بين جذب رؤوس الأموال وتحقيق العدالة الاجتماعية.





