يواصل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حملته المستمرة منذ سنوات لحث الأتراك على زيادة معدلات الإنجاب، محذراً من تراجع المواليد واصفاً الأمر بأنه “كارثة” تهدد مستقبل البلاد، إلا أن دعواته تصطدم بواقع اقتصادي صعب وتغيرات اجتماعية متسارعة تدفع العائلات التركية إلى تقليص عدد الأطفال أو الاكتفاء بطفل واحد.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز، فإن أردوغان يعتبر وسائل تنظيم النسل “خيانة”، ويكرر باستمرار دعواته للأتراك لإنجاب ثلاثة أطفال على الأقل، بل طالب مؤخراً بإنجاب أربعة أو خمسة أطفال، معتبراً أن ذلك ضروري لضمان مستقبل تركيا وقوتها الاقتصادية والديموغرافية.
وقال أردوغان في تصريحات حديثة: “لماذا لا تنجبون أربعة أطفال على الأقل أو خمسة؟”، مضيفاً أن زيادة عدد السكان ستمنح تركيا القدرة على “المضي نحو المستقبل بصورة أقوى”.
لكن الأرقام الرسمية تكشف اتجاهاً معاكساً تماماً لرغبات الرئيس التركي، إذ يواصل معدل الخصوبة في تركيا التراجع منذ أكثر من عقد، بعدما انخفض إلى 1.48 طفل لكل امرأة في عام 2024، وهو أدنى مستوى في تاريخ البلاد وأقل بكثير من معدل الإحلال السكاني البالغ 2.1 المطلوب للحفاظ على استقرار عدد السكان.
ويعزو خبراء السكان هذا التراجع إلى مجموعة عوامل تشمل التحضر، وارتفاع مستويات التعليم، وتغير أنماط الحياة، إضافة إلى الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعيشها تركيا خلال السنوات الأخيرة.
وأكد التقرير أن التضخم المرتفع والأجور المنخفضة وارتفاع تكاليف السكن ورعاية الأطفال دفعت الكثير من العائلات التركية إلى تأجيل الإنجاب أو تقليل عدد الأطفال.
وقالت تشيدم أكيوز، وهي أم لطفلين تعيش في إسطنبول، إنها كانت ترغب بإنجاب طفل ثالث لكنها تخلت عن الفكرة بسبب الأوضاع المعيشية، مضيفة: “الطعام أصبح مكلفاً جداً”، ووصفت دعوات أردوغان بإنجاب المزيد من الأطفال بأنها “غير واقعية”.
وأشار التقرير إلى أن الأزمة الاقتصادية باتت تلقي بثقلها على تفاصيل الحياة اليومية للأسر التركية، في ظل استمرار معدلات التضخم عند مستويات مرتفعة تجاوزت أحياناً 80 في المئة خلال السنوات الماضية، بينما لم تنخفض إلى أقل من 30 في المئة منذ أكثر من أربع سنوات.
وفي محاولة لعكس الاتجاه الديموغرافي، أطلقت حكومة أردوغان سلسلة برامج تحفيزية، من بينها إعلان عام 2025 “عام الأسرة”، وإطلاق خطة “عقد الأسرة والسكان” حتى عام 2035.
كما مددت الحكومة إجازة الأمومة من 16 أسبوعاً إلى 24 أسبوعاً، وإجازة الأبوة من خمسة أيام إلى عشرة أيام، إضافة إلى تقديم منح مالية عند الولادة ومخصصات شهرية للأسر التي تنجب أكثر من طفل.
وتحصل العائلات التركية على نحو 110 دولارات عند ولادة الطفل الأول، و33 دولاراً شهرياً للطفل الثاني، و110 دولارات لكل طفل إضافي، فضلاً عن قروض بلا فوائد لمساعدة الأزواج الشباب على الزواج.
لكن كثيراً من العائلات ترى أن هذه الحوافز غير كافية أمام الارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة.
وقالت زاهدة إرته، وهي أم لأربعة أطفال، إن المخصص الحكومي الذي تتلقاه عن طفلها الرابع “يكفي بالكاد لشراء الحفاضات”. وأضافت أن زوجها يعمل في مصنع ملابس براتب قريب من الحد الأدنى للأجور البالغ نحو 625 دولاراً شهرياً، بينما تعجز الأسرة عن استئجار منزل أكبر رغم ضيق شقتها الحالية.
كما نقل التقرير عن اتحاد نقابي تركي تأكيده أن الحد الأدنى للأجور لم يعد كافياً لتغطية الاحتياجات الأساسية للعائلات بسبب التضخم.
ويرى خبراء أن التغيرات الاجتماعية باتت تلعب دوراً حاسماً في انخفاض معدلات الإنجاب، مع ارتفاع سن الزواج وزيادة اهتمام الشباب بالتعليم والعمل والمسار المهني قبل التفكير في تأسيس عائلة كبيرة.
وقال سوتاي يافوز، عالم الاجتماع في جامعة أنقرة للعلوم الاجتماعية، إن الأسر التركية الجديدة باتت تميل إلى نموذج “دخلين وطفل واحد”، مضيفاً أن الحوافز الحكومية الحالية “لن تغيّر قواعد اللعبة”.
كما أشار التقرير إلى أن رؤية أردوغان المحافظة للأسرة والمجتمع تثير انتقادات واسعة، خاصة في ما يتعلق بدور المرأة وحصرها في المنزل والإنجاب، مع تراجع المساحة المتاحة للنساء الراغبات في بناء مسارات مهنية مستقلة.
ورغم إصرار أردوغان، الذي لديه أربعة أبناء، على دعوة الأتراك لإنجاب المزيد من الأطفال، فإن كثيراً من العائلات التركية باتت ترى أن الظروف الاقتصادية الحالية تجعل تربية الأطفال عبئاً متزايداً يصعب تحمله.





