أبرزت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية تصاعد التوترات بين السعودية والإمارات، في تحول لافت من شراكة استراتيجية وثيقة إلى منافسة متزايدة على النفوذ الإقليمي والاقتصادي، وسط مؤشرات على إعادة تشكيل موازين القوى داخل الخليج.
وبحسب الصحيفة فقد جاء إعلان الإمارات انسحابها من منظمة أوبك ليشكل نقطة تحول بارزة، إذ لم يقتصر تأثيره على أسواق الطاقة، بل عكس أيضاً اعتراضاً ضمنياً على الهيمنة السعودية التقليدية داخل المنظمة، وسعي أبوظبي إلى مرونة أكبر في سياساتها النفطية.
وشهدت العلاقة بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ورئيس دولة الإمارات محمد بن زايد آل نهيان تقارباً كبيراً خلال العقد الماضي، حيث تعاونا في ملفات إقليمية عدة، أبرزها الحرب في اليمن، ومواجهة إيران، وفرض حصار على قطر.
غير أن هذا التنسيق بدأ يتآكل تدريجياً، مع بروز تباينات في الاستراتيجيات السياسية والاقتصادية، حيث باتت الدولتان تدعمان أطرافاً متعارضة في نزاعات إقليمية، وتتجهان نحو منافسة مباشرة على جذب الاستثمارات العالمية.
في المجال الاقتصادي، برزت المنافسة بشكل واضح، إذ تسعى السعودية إلى تحويل نفسها إلى مركز إقليمي للأعمال والسياحة، في خطوة تهدف إلى منافسة مكانة دبي كمركز مالي وتجاري.
وفرضت الرياض شروطاً على الشركات الدولية لإنشاء مقرات إقليمية داخل السعودية مقابل الحصول على عقود حكومية، ما أدى إلى انتقال مئات الشركات إلى العاصمة، في خطوة اعتبرها مراقبون تحدياً مباشراً للنموذج الاقتصادي الإماراتي.
في المقابل، واصلت الإمارات توسيع استثماراتها في قطاعات مثل الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والبنية التحتية، في سباق متسارع مع السعودية لاستقطاب رؤوس الأموال العالمية.
وقد ظهر التباين أيضاً في السياسات النفطية، حيث عبّرت الإمارات عن استيائها من قيود الإنتاج التي تفرضها “أوبك”، معتبرة أنها تحد من قدرتها على الاستفادة من طاقاتها الإنتاجية المتنامية.
على الصعيد الإقليمي، تجلّى الانقسام بشكل واضح في اليمن، حيث دعمت السعودية الحكومة المعترف بها دولياً، بينما ساندت الإمارات المجلس الانتقالي الجنوبي، ما أدى إلى تضارب في الأهداف على الأرض.
وتصاعد هذا الخلاف إلى مستوى غير مسبوق في أواخر عام 2025، عندما سيطرت قوات مدعومة من الإمارات على مناطق استراتيجية في جنوب وشرق اليمن، قبل أن تستهدف غارات سعودية شحنة أسلحة يُعتقد أنها كانت متجهة إلى تلك القوات.
وامتد التنافس إلى السودان، حيث دعمت السعودية الجيش السوداني، بينما وُجهت اتهامات للإمارات بدعم قوات الدعم السريع، في ظل صراع دموي أدى إلى أزمة إنسانية واسعة.
ووصلت التوترات إلى مستويات دبلوماسية حساسة، حيث أُبلغ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن السعودية دعت إلى فرض عقوبات على الإمارات بسبب دورها في السودان، ما يعكس عمق الخلاف بين الطرفين.
ورغم هذه التباينات، لم تصل العلاقة إلى حد القطيعة، إذ لا تزال الدولتان تؤكدان أهمية الشراكة الاستراتيجية، وتواصلان التنسيق في بعض الملفات، خاصة في مواجهة التهديدات الإقليمية.
في هذا السياق، أجرى محمد بن سلمان اتصالاً بمحمد بن زايد عقب هجمات إيرانية استهدفت الإمارات، مؤكداً دعم السعودية لأمنها، في خطوة تعكس استمرار قنوات التواصل رغم الخلافات.
وتشير هذه التطورات إلى أن العلاقة بين القوتين الخليجيتين دخلت مرحلة جديدة تتسم بالمنافسة المعقدة، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية مع الحسابات الجيوسياسية، في وقت يُرجح أن تستمر فيه هذه التوترات في التأثير على مسار المنطقة خلال السنوات المقبلة.





