تحركت تركيا لاحتواء الخلاف مع أذربيجان على خلفية الجدل المتصاعد بشأن منع طالبات محجبات من دخول بعض المدارس، بعدما وجه الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف انتقادات غير مباشرة إلى أطراف اتهمها بالتدخل في الشؤون الداخلية لبلاده، وفق ما أورده موقع “ميدل إيست آي” البريطاني.
وأكد مسؤولون أتراك أن أنقرة لا تعتزم الرد علناً على تصريحات علييف، مشيرين إلى أن الحكومة التركية أبلغت باكو، عبر قنوات اتصال على مستويات رفيعة، بأنها لا تسعى إلى التدخل في شؤونها الداخلية، وأن ما حدث يعكس سوء فهم يمكن احتواؤه من خلال التواصل بين البلدين.
وجاءت التحركات التركية بعدما أثار قرار أذربيجان المتعلق بالملابس المدرسية موجة من الانتقادات داخل تركيا، حيث اعتبر ناشطون ومستخدمون لوسائل التواصل الاجتماعي أن الإجراءات المتخذة بحق الطالبات المحجبات تذكّر بالقيود التي فرضتها السلطات التركية على الحجاب في تسعينيات القرن الماضي.
وبدأت الأزمة في سبتمبر الماضي، عندما أقرت الحكومة الأذربيجانية قواعد جديدة للملابس المدرسية، استناداً إلى ما وصفته بالحفاظ على مبدأ العلمانية والالتزام بالزي المدرسي، من دون أن تعلن حظراً صريحاً وشاملاً على ارتداء الحجاب.
لكن تطبيق القواعد الجديدة أدى إلى منع طالبات محجبات من دخول بعض الفصول الدراسية، ما أثار اعتراضات داخل أذربيجان وخارجها، ودفع ناشطين أتراكاً إلى إطلاق حملات عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتنظيم احتجاجات في إسطنبول.
وربطت وسائل إعلام تركية موالية للحكومة بين الإجراءات الأذربيجانية والتجربة التركية في فبراير 1997، عندما شهدت البلاد تدخلاً واسعاً من المؤسسة العسكرية والبيروقراطية في الحياة السياسية، ضمن أحداث عُرفت باسم “انقلاب ما بعد الحداثة”، والتي ارتبطت بالضغوط الرامية إلى إضعاف الحكومة ذات التوجه الإسلامي التي كانت تتولى السلطة آنذاك.
واعتبرت تلك الوسائل أن القيود المفروضة على الطالبات في أذربيجان تعيد إلى الأذهان مرحلة شهدت خلافات حادة داخل تركيا بشأن ارتداء الحجاب في المؤسسات التعليمية، وهو ما ساهم في تصاعد الانتقادات الموجهة إلى باكو.
وامتد الجدل إلى موقف أذربيجان خلال خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر الماضي، إذ انتقد مستخدمون أتراك استمرار وجود ممثل أذربيجاني في القاعة أثناء إلقاء الخطاب، في حين انضم الوفد التركي إلى ممثلي دول أخرى غادروا القاعة احتجاجاً على سياسات إسرائيل والحرب في غزة.
وفي الثاني من أكتوبر، وجّه الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف انتقادات إلى جهات لم يسمها، خلال خطاب أمام مؤتمر حزب “أذربيجان الجديدة” الحاكم في باكو، مؤكداً رفض بلاده أي تدخل خارجي في خياراتها الداخلية أو في أسلوب حياة مواطنيها.
وقال علييف إن على الجميع معرفة حدودهم، مضيفاً: “لا ينبغي لأحد التدخل في شؤوننا، أو التطفل على أسلوب حياتنا، أو إخبارنا بما يجب علينا فعله. ينبغي على كل فرد أن يهتم بوطنه ودولته”.
وشدد الرئيس الأذربيجاني على أن بلاده لا تحتاج إلى مساعدة أو وصاية من الآخرين، مستشهداً بتجربة أذربيجان في التعامل مع ملف النازحين واللاجئين المرتبطين بنزاع ناغورنو كاراباخ.
وأشار إلى أن بلاده لم تتلق مساعدة عندما اضطرت إلى رعاية نحو مليون لاجئ ونازح، وفق ما أورده التقرير، مؤكداً أن باكو دفعت ثمن ما حصلت عليه من أسلحة ومعدات عسكرية.
وقال علييف إن بلاده اشترت أسلحتها وفق أسعار السوق العالمية، مضيفاً أنها لم تحصل على خصومات، بل دفعت في بعض الحالات أسعاراً أعلى من الأسعار السائدة، واضطرت إلى قبول ذلك.
وأثارت هذه التصريحات تساؤلات في أنقرة بشأن الجهة التي قصدها علييف، خصوصاً أن تركيا تعد الحليف الرئيسي لأذربيجان، وقدمت لها دعماً عسكرياً خلال حرب ناغورنو كاراباخ عام 2020، شمل الطائرات المسيّرة والأسلحة والذخائر، إلى جانب نشر طائرات مقاتلة من طراز إف-16 وقوات خاصة لمساندة القوات الأذربيجانية.
ورجح مصدر أذربيجاني أن تكون تصريحات علييف مرتبطة بخطاب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 23 سبتمبر، والذي تناول فيه ما وصفه بتزايد التمييز ضد النساء والفتيات المسلمات.
وقال أردوغان إن حظر الحجاب في بعض الدول داخل المدارس يمثل اعتداءً على الحقوق الأساسية للمرأة، وهي تصريحات سبقت أولى الحوادث المبلغ عنها بشأن منع طالبات محجبات من دخول المدارس في أذربيجان بنحو أسبوع.
لكن مسؤولين أتراكاً أكدوا أن تصريحات أردوغان لم تكن موجهة إلى باكو، موضحين أنها استهدفت بالأساس السياسات المطروحة في فرنسا والنمسا بشأن تقييد ارتداء الحجاب.
وأشار المسؤولون إلى أن النمسا بدأت، اعتباراً من الأول من سبتمبر، تطبيق حظر على ارتداء الحجاب للفتيات دون سن الرابعة عشرة في المدارس الحكومية والخاصة، مع فرض غرامات مالية على أولياء الأمور في حالات تكرار المخالفة.
وقال مسؤول تركي رفيع المستوى إن أنقرة لا تعتزم التدخل في الشؤون الداخلية لأذربيجان، مؤكداً عدم وجود أي موقف رسمي تركي يشير إلى رغبة الحكومة في الضغط على باكو بشأن سياساتها الداخلية.
وأضاف المسؤول أن بلاده تعتبر ما حدث “سوء فهم”، موضحاً أن هذه الرسالة نُقلت إلى الجانب الأذربيجاني عبر قنوات اتصال على أعلى المستويات، في إطار مساعٍ لتجنب تصعيد الخلاف.
وأكد مسؤولون أتراك أن الحكومة لن تدخل في سجال علني مع علييف، وأنها ستعتمد بدلاً من ذلك على الحوار المباشر لتخفيف التوتر، مشيرين إلى أن العلاقات بين البلدين تستند إلى شراكة استراتيجية واسعة تشمل الطاقة والنقل والتعاون العسكري.





