تدهورت العلاقة بين الرئيس اللبناني جوزيف عون وحزب الله إلى نزاع مفتوح حول السلاح والسيادة ومستقبل الدولة اللبنانية، بعدما أقرّت مصادر من الجانبين باستمرار التواصل عبر قنوات محدودة، مع انهيار الثقة إلى حد كبير.
ويواجه الطرفان خلافاً يتجاوز مسألة إعادة فتح قنوات الاتصال، إذ يرتبط بمستقبل الهيكل العسكري المستقل لحزب الله، وبالجهة التي تملك القرار في قضايا الحرب والسلام، وبحدود سلطة الدولة اللبنانية على السلاح المنتشر في البلاد.
عندما انتُخب عون رئيساً في يناير/كانون الثاني 2025، دعم حزب الله انتخابه، ما ساهم في إنهاء فترة طويلة من الشغور الرئاسي. لكن التفاهم السياسي الذي سهّل انتخابه لم يحسم الخلاف الأساسي بشأن احتفاظ حزب الله بقدرات عسكرية مستقلة عن مؤسسات الدولة.
ومنذ بداية رئاسته، أعلن عون رغبته في إخضاع جميع الأسلحة لسيطرة الدولة. وفي خطابه الافتتاحي، تعهد بتأكيد حق الدولة في احتكار السلاح، وربط ذلك بتعزيز الجيش اللبناني، وحماية الحدود، وتنفيذ القرارات الدولية.
وأصبح موقفه أكثر وضوحاً في خطاب ألقاه بمناسبة يوم الجيش في يوليو/تموز 2025، عندما دعا إلى منح الجيش وقوات الأمن الحق الحصري في حمل السلاح، وحث حزب الله وأنصاره على «وضع رهانكم فقط على الدولة اللبنانية».
وتفاقم الخلاف في يناير/كانون الثاني 2026، عندما قال عون إن الظروف التي كانت تبرر في السابق وجود أسلحة خارج سيطرة الدولة لم تعد قائمة، وإن استمرارها أصبح عبئاً على حزب الله ولبنان معاً.
وانتقد حزب الله تصريحات الرئيس، معرباً عن خيبة أمله من موقفه. وقال المتحدث باسم الحزب يوسف الزين إن الحزب يمارس ضبط النفس في مواجهة إسرائيل، وإنه لا ينبغي بحث مسألة نزع السلاح قبل انسحاب إسرائيل من المواقع التي ما زالت تحتلها في جنوب لبنان.
وتجاوز الخلاف مسألة السلاح، بعدما قال الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم، في أواخر يناير، إن الحزب «ليس محايداً» في أي صراع محتمل يشمل الولايات المتحدة وإيران. وردت الرئاسة بالتأكيد مجدداً أن قرارات الحرب والسلام من اختصاص الدولة اللبنانية، ما أظهر التوتر بين الالتزامات الإقليمية لحزب الله وإصرار عون على حصر القرارات السيادية بالمؤسسات الرسمية.
وجاء الانقطاع الحاسم في 2 مارس/آذار، عندما أطلق حزب الله صواريخ على إسرائيل عقب اغتيال الولايات المتحدة وإسرائيل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي.
وردت الحكومة اللبنانية بحظر الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله، ودعت الجماعة إلى تسليم أسلحتها، كما وجهت الجيش إلى المضي في خطته لوضع جميع الأسلحة تحت سيطرة الدولة شمال نهر الليطاني. وأدان عون إطلاق الصواريخ، ما زاد توتر العلاقة مع الحزب الذي دعم انتخابه.
وقال مصدر قريب من حزب الله إن الثقة بالرئاسة استُنفدت، متهماً عون بعدم الوفاء بتفاهمات سابقة ودعم رد الحكومة. وأضاف أن الخطوة الأولى لإعادة بناء العلاقة تتمثل في التراجع عن القرار الحكومي، معتبراً أن الانخراط الطبيعي مستحيل ما دامت الأنشطة العسكرية والأمنية للحزب محظورة.
كما اتهم المصدر عون بالإفراط في الثقة بواشنطن، وقال إنه بدا وكأنه يعتقد أن لقاءه بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب جعله حليفاً للولايات المتحدة. وقدم المصدر توصيفاً للتحول في شخصية الرئيس قائلاً: «يمكن القول إن هناك جوزيف عون 1، قائد الجيش، وجوزيف عون 2 المختلف، الرئيس. الأول ليس مثل الثاني».
في المقابل، رفضت الرئاسة رواية حزب الله بشأن العلاقة. وقال مصدر مقرب من قصر بعبدا إن العلاقات لم تنقطع، لكنها بقيت دون المستوى المطلوب بسبب حساسية المرحلة. وأوضح أن التواصل استمر عبر قناة معتمدة، من دون استئناف الاتصالات على أعلى المستويات.
وقال المصدر إنه لا يوجد ما يمنع التواصل المباشر من جانب الرئاسة، لكنه اعتبر مطالب حزب الله غير واقعية في الظروف الحالية. وأضاف أن محاولات للتواصل مع الحزب جرت في مناسبات عدة، متسائلاً عن الجهة التي تتخذ القرارات داخله.
وقال المصدر: «بصراحة، نحن لا نعرف من يقود الحزب اليوم، أو حتى ما إذا كانوا هم أنفسهم يعرفون من يتخذ القرارات داخل حزب الله».
وتكشف الروايتان المتعارضتان أن كلاً من الطرفين ينتظر من الآخر المبادرة. فحزب الله يريد تراجع الحكومة عن قرار مارس قبل استعادة الثقة، بينما تؤكد الرئاسة أن سلطة الدولة على السلاح وقرارات الحرب والسلام غير قابلة للتفاوض.
وحتى الآن، لا يصف أي من الطرفين العلاقة بأنها مقطوعة رسمياً، لكن الفجوة بين مواقفهما وانعدام الثقة المعلن يشيران إلى أن استعادة العلاقات ستتطلب اتفاقاً واضحاً حول حدود الدور العسكري لحزب الله وسلطة الدولة اللبنانية.





