يشاهد اللبنانيون في جنوب لبنان تقدم القوات الإسرائيلية وتدمير القرى من خلف ما يُعرف بـ“الخط الأصفر”، في ظل منع السكان من العودة إلى المنطقة التي تحولت فعلياً إلى نطاق عسكري مغلق.
ففي قرية دبين، التي تقع على حافة هذا الخط، كان شبان يلعبون كرة القدم بين الأنقاض بينما تحلق طائرة استطلاع إسرائيلية فوقهم. وبسخرية مريرة، أشار أحدهم إلى أن تسمية “الخط الأصفر” ليست مصادفة، في إشارة إلى ارتباطه برمز حزب الله.
على الجانب الآخر من الخط، تسيطر القوات الإسرائيلية على مساحات واسعة، وتمنع السكان من العودة إلى 55 قرية من أصل نحو 70 قرية جنوبية.
وقد توقفت العمليات العسكرية عند دبين بعد هدنة هشة، إلا أن آثار الحرب لا تزال واضحة، حيث دُمرت القرى بشكل واسع وأصبحت غير صالحة للسكن، سواء داخل الخط أو حتى في محيطه القريب.
وفي وسط دبين، تجمع شبان بين الركام في محاولة لإنقاذ ما تبقى من ممتلكاتهم. ورغم أن القرية تقع خارج الخط الأصفر، إلا أنها لا تبعد سوى كيلومتر واحد عن نهر الليطاني، الذي يشكل الحد الشمالي للمنطقة العازلة التي تسعى إسرائيل إلى ترسيخها.
لم يتمكن السكان من استعادة الكثير، لكنهم أصروا على البقاء، حيث ينام عدة أشخاص في غرفة واحدة داخل المنازل القليلة التي لا تزال قائمة. وأكدوا أن من دافع عن القرية لم يكن قوة منظمة، بل “أهل القرية” أنفسهم.
وقد شهدت معظم مناطق الجنوب نزوحاً واسعاً، خاصة بين السكان الشيعة، بينما سُمح لبعض القرى الأخرى بالبقاء. وتحدث سكان عن عمليات تهجير قسري وغارات مكثفة دفعت أكثر من مليون شخص إلى النزوح شمال نهر الليطاني.
ويقول أحد السكان إن الهدف هو تفريغ القرى من سكانها، في اتهام يعكس حالة الغضب واليأس المتزايد في المنطقة.
ويشكك خبراء في جدوى إنشاء منطقة عازلة خالية من السكان، معتبرين أنها قد تؤدي إلى مزيد من التوتر.
ويرى الباحثون أن هذا النهج قد يتطلب لاحقاً “مناطق عازلة إضافية”، ما يعكس خللاً في المنطق الأمني المعتمد.
في المقابل، انسحب الجيش اللبناني من المواجهة، نتيجة ضعف الإمكانيات، ما ترك السكان يشعرون بأنهم تُركوا لمصيرهم.
هذا الواقع عزز اعتماد بعض السكان على حزب الله، رغم أن الحرب نفسها كانت سبباً في تهجيرهم، ما يعكس مفارقة معقدة في المشهد اللبناني.
وتؤكد إسرائيل أنها لا تعتبر المنطقة احتلالاً رسمياً، بل “خط دفاع أمامي”، وهو توصيف يهدف إلى تجنب الالتزامات القانونية المرتبطة بالاحتلال العسكري، مثل حماية المدنيين ومنع التهجير.
لكن منظمات حقوقية ترى أن الواقع على الأرض يشبه ما حدث في غزة، حيث أصبحت مناطق واسعة غير صالحة للسكن نتيجة التدمير المنهجي.
وتشير صور الأقمار الصناعية إلى استمرار عمليات الهدم داخل المنطقة، مع ظهور آليات عسكرية وجرافات تعمل على تسوية القرى. وقد دُمرت بلدات كاملة، بما فيها بنت جبيل، التي كانت مسرحاً لمعارك عنيفة.
وفي دبين، تحولت المدرسة إلى ركام، ودُمرت شبكات الكهرباء والمياه، وأصبح المسجد غير قابل للتمييز، فيما اختفت معالم الحياة بالكامل.
وقد دفعت الصحفية أمل خليل حياتها ثمناً لتغطيتها الميدانية، بعد استهداف غارات إسرائيلية لموقع وجودها، في حادثة أثارت إدانات رسمية.
كما تعرّضت فرق الإسعاف للتأخير والهجوم، ما حال دون إنقاذ المصابين في الوقت المناسب، وفق شهادات ميدانية.
ومع استمرار منع السكان والصحفيين من الوصول إلى المنطقة، تتواصل عمليات تدمير القرى داخل “الخط الأصفر” بعيداً عن الرقابة والشهود، في مشهد يعكس تحولات عميقة في طبيعة الصراع جنوب لبنان.





