روّجت وزارة السياحة الإسرائيلية عبر إعلان مدفوع على موقع صحيفة “لوس أنجلوس تايمز” لجولات سياحية تمتد تسعة أيام داخل إسرائيل، مستخدمة خريطة تمتد من النهر إلى البحر وتغيب عنها الأراضي الفلسطينية المحتلة، في محاولة تسويقية تقدم المنطقة للسائح الأمريكي باعتبارها وجهة سياحية موحدة، بينما تتجاهل واقع الاحتلال والحرب والقيود المفروضة على الفلسطينيين.
ويظهر الإعلان ضمن قسم السفر في موقع الصحيفة تحت تصنيف “برنامج مدفوع”، ويحمل عنوان “إسرائيل: أرض الخلق”، فيما يقدم برنامجًا سياحيًا يدعو الأمريكيين إلى زيارة المدن والشواطئ والمواقع التاريخية والصحراوية، ويعرض إسرائيل باعتبارها وجهة مفتوحة ومستقرة للسياحة. كما نشرت الصحيفة صفحة أخرى بعنوان “أفضل ما في إسرائيل خلال 9 أيام”، في إطار المحتوى السياحي المدفوع.
وتستخدم الحملة خريطة تفاعلية تتيح للسائح الانتقال بين عدد من المدن والمواقع والتعرف إلى تاريخها ومعالمها، لكنها تعرض إسرائيل على امتداد الخريطة من النهر إلى البحر، بينما لا يظهر أي تمثيل منفصل للضفة الغربية المحتلة أو القدس الشرقية أو قطاع غزة.
ويغيب عن الخريطة كذلك أي ذكر للقرى والبلدات الفلسطينية التي ارتبط تاريخها وجغرافيتها بالمواقع التي يقدمها الإعلان للسائح باعتبارها جزءًا من إسرائيل، في حين يجري تقديم المواقع الواقعة في الأراضي الفلسطينية المحتلة ضمن مسار سياحي إسرائيلي واحد.
ويشمل البرنامج مدينة تل أبيب، حيث يدعو الإعلان الزوار إلى التجول في شارع روتشيلد ومشاهدة مباني باوهاوس والتوجه نحو البحر المتوسط، كما يقدم الشواطئ باعتبارها جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية، ويدعو السائح إلى المشي جنوبًا باتجاه يافا قبل غروب الشمس.
ويمتد البرنامج إلى القدس، حيث يصف الإعلان الرحلة من تل أبيب إلى المدينة بأنها تستغرق نحو أربعين دقيقة، قبل أن ينتقل إلى الحديث عن المواقع التاريخية والدينية. ولا يقدم الإعلان، في المقابل، أي إشارة إلى أن القدس الشرقية، التي تشمل البلدة القديمة، تقع ضمن الأراضي الفلسطينية المحتلة وفق الموقف الأممي والقانون الدولي.
ويزداد وضوح هذا التجاهل عند الحديث عن الضفة الغربية، التي لا تظهر باعتبارها أرضًا محتلة أو منطقة يعيش فيها ملايين الفلسطينيين، وإنما تختفي عمليًا من التصور الجغرافي الذي تقدمه الحملة السياحية.
ويأتي الإعلان في وقت تتواصل فيه الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وتتزايد القيود والاعتداءات في الضفة الغربية، بينما تشهد المنطقة مواجهات عسكرية واسعة مرتبطة بإسرائيل في أكثر من جبهة.
وفي الوقت الذي يقدم فيه الإعلان رحلة سياحية هادئة إلى شمال إسرائيل، ويتحدث عن مواقع دينية وطبيعية ومجتمعات فنية، فإنه لا يعكس في صياغته السياحية واقع التوتر العسكري والسياسي الذي تشهده المنطقة.
ويمتد البرنامج كذلك إلى مرتفعات الجولان، حيث يروج الإعلان لزيارة مصانع النبيذ وجولات التذوق، من دون إبراز حقيقة أن المنطقة تخضع للاحتلال الإسرائيلي وأن وضعها محل نزاع دولي.
وتكشف الحملة بذلك عن محاولة واضحة لتقديم صورة سياحية ناعمة ومختلفة جذريًا عن الواقع السياسي والميداني للمنطقة، عبر تحويل مناطق النزاع والاحتلال إلى نقاط على خريطة سياحية واحدة، وإبعاد قضية الأرض والسكان الفلسطينيين عن المشهد الذي يقدم للزائر الأمريكي.
ولا يتوقف الأمر عند الإعلان المنشور في “لوس أنجلوس تايمز”، إذ أطلقت وزارة السياحة الإسرائيلية في وقت سابق حملة تستهدف أمريكا الشمالية تحت عنوان “أنا إسرائيل”، بميزانية بلغت 6.5 مليون دولار، بهدف إعادة ربط إسرائيل بالجمهور والتأكيد على أن مواقعها السياحية آمنة ومفتوحة.
وتكشف الحملة السياحية في مضمونها عن مفارقة صارخة: ففي الوقت الذي يعيش فيه الفلسطينيون تحت الاحتلال والقيود العسكرية ويواجه سكان غزة آثار الحرب والدمار، تقدم الإعلانات إسرائيل كوجهة سياحية طبيعية، بشواطئ مفتوحة ومدن نابضة بالحياة ومواقع تاريخية ومسارات مريحة للسياح.
وتصبح الخريطة نفسها جزءًا من الرسالة السياسية للحملة، إذ لا تكتفي بالترويج للسياحة، بل تقدم تصورًا جغرافيًا يغيب عنه وجود الأراضي الفلسطينية المحتلة، ويضع القدس الشرقية والضفة الغربية والجولان ضمن فضاء سياحي إسرائيلي واحد.
ويأتي هذا المحتوى في وقت نشرت فيه “لوس أنجلوس تايمز” نفسها تقارير عن تصاعد اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية ومحاولات السيطرة على الينابيع والمواقع التراثية الفلسطينية، بما يكشف التناقض بين صورة سياحية ناعمة تقدمها الإعلانات المدفوعة والواقع الميداني الذي توثقه التغطيات الصحفية.
وبذلك تتحول السياحة في الحملة الإسرائيلية إلى أكثر من وسيلة لجذب الزوار، إذ تصبح أداة لإعادة صياغة صورة المكان، وتقديم خريطة تتجاهل الفلسطينيين وأراضيهم المحتلة، فيما يجري تسويق إسرائيل للجمهور الأمريكي كوجهة سياحية متكاملة، بعيدًا عن واقع الاحتلال والحرب الذي يحيط بهذه المواقع.





