كشف الهجوم العسكري الواسع الذي شنته جماعة أنصار الله في اليمن خلال سبتمبر الجاري عن تحديات تواجه الاستراتيجية السعودية التي اعتمدت طوال أكثر من عقد على دعم القوى اليمنية المناهضة للحوثيين، بعدما حققت الجماعة مكاسب ميدانية على ساحل البحر الأحمر، ووسعت سيطرتها باتجاه مضيق باب المندب، بالتزامن مع هجمات عطلت منشآت حيوية لتصدير النفط السعودي.
وقالت الباحثة المتخصصة في الشؤون اليمنية هيلين لاكنر، في مقابلة نشرتها مجلة “جاكوبين” الأمريكية، إن سنوات التدخل السعودي والإنفاق على الحلفاء اليمنيين لم تنجح في بناء قوة عسكرية موحدة قادرة على مواجهة الحوثيين، معتبرة أن الهجوم الأخير كشف عمق الانقسامات داخل المعسكر المدعوم من الرياض.
وأوضحت لاكنر أن السعودية بدأت تدخلها العسكري في اليمن عام 2015 وهي تتوقع فرض نفوذها على جارتها، لكنها وجدت نفسها بعد أكثر من عقد أمام جماعة تمتلك قدرات عسكرية متطورة، وتستطيع تهديد حدود المملكة وممرات تصدير نفطها.
وأشارت إلى أن الخلافات داخل المعسكر المناهض للحوثيين تفاقمت بفعل التنافس السعودي الإماراتي، خصوصاً بعد دعم أبوظبي المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي حاول السيطرة على حضرموت والمهرة في ديسمبر 2025.
ودفعت تلك التطورات الرياض إلى التدخل عسكرياً ضد قوات المجلس، ودعم هجوم مضاد أدى إلى تراجع نفوذه وانقسامه، بينما استمرت فصائل منه في العمل بدعم إماراتي، وفق رواية الباحثة.
وأضافت أن الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً تعاني انقسامات عسكرية وسياسية، وتعتمد بصورة شبه كاملة على التمويل السعودي والمساعدات الدولية، بعد توقف معظم إيراداتها النفطية منذ نوفمبر 2022.
وتتوزع القوات التابعة لها بين قيادات متعددة، بينما يقيم رئيس مجلس القيادة الرئاسي معظم الوقت في السعودية، الأمر الذي يطرح تساؤلات بشأن قدرة الرياض على توحيد حلفائها وإعادة بناء مؤسسات الدولة اليمنية.
وقد سيطرت قوات الحوثيين خلال هجوم سبتمبر على ميناء المخا وجزيرة بريم الاستراتيجية عند مدخل باب المندب، في تطور عزز قدرتها على تهديد حركة الملاحة وصادرات النفط السعودية. وأكدت رويترز وصول الحوثيين إلى الجزيرة في 11 سبتمبر، نقلاً عن مصادر حكومية يمنية.
وتزامن التقدم الحوثي مع هجوم بطائرات مسيرة استهدف خط أنابيب النفط السعودي الممتد بين شرق المملكة وغربها، ما أدى إلى توقفه وتعطيل الصادرات عبر ميناء ينبع.
ورأت لاكنر أن استهداف خط الأنابيب يمثل ضغطاً اقتصادياً على الرياض، بعدما أصبح البحر الأحمر منفذاً رئيسياً لصادراتها في ظل اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز.
وكانت السعودية تصدر عبر هذا المسار ما بين أربعة وخمسة ملايين برميل يومياً، وفق الأرقام التي أوردتها الباحثة. غير أن رويترز أفادت، في 29 سبتمبر، باستئناف تحميل النفط في ينبع عقب إعادة تشغيل الخط، مع استمرار العمل دون مستويات التشغيل السابقة.
وربطت لاكنر التصعيد الأخير بتعثر المفاوضات السعودية الحوثية التي جرت بوساطة عمانية، وكان من المفترض أن تشمل وقف الهجمات على المملكة، وصرف رواتب الموظفين، والتعويض عن أضرار الحرب، ورفع القيود عن الموانئ والمطارات، وتقاسم جزء من عائدات النفط.
وأشارت إلى أن المفاوضات توقفت عقب اندلاع الحرب في غزة وانخراط الحوثيين في المواجهة الإقليمية، فيما زادت العقوبات الأمريكية المفروضة على الجماعة من تدهور الأوضاع الاقتصادية في مناطق سيطرتها.
وتوقعت الباحثة استمرار المواجهات ما لم تتمكن القوات المناهضة للحوثيين من إعادة تنظيم صفوفها، مؤكدة أن الضربات الجوية وحدها لا تكفي لتغيير موازين القوى دون قوات برية متماسكة.
وفي المقابل، تُظهر التطورات الأخيرة اتساع المخاطر التي تواجه المدنيين، مع نزوح عشرات الآلاف نتيجة المعارك الجديدة، واستمرار معاناة ملايين اليمنيين من النزوح والفقر وانعدام الأمن الغذائي.
وخلصت لاكنر إلى أن الانقسامات داخل المعسكر المدعوم سعودياً، والتنافس مع الإمارات، وتعثر التسوية السياسية، عوامل أسهمت في إضعاف قدرة الرياض على تحقيق أهدافها في اليمن، بينما يضيف التقدم الحوثي على ساحل البحر الأحمر تحدياً اقتصادياً وأمنياً مباشراً للمملكة.





