دعا أنور قرقاش، مستشار رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، إلى إعادة تقييم شاملة للموقف الخليجي في التعامل مع التطورات الإقليمية الأخيرة، منتقداً ما وصفه بمحدودية التنسيق السياسي والعسكري بين دول المنطقة، ومشدداً على ضرورة تبني خطاب أكثر وضوحاً وواقعية في مواجهة التحديات.
وجاءت تصريحات قرقاش خلال مشاركته في جلسة بعنوان “إعادة تقييم التحالفات في زمن التوتر”، ضمن فعاليات ملتقى “مؤثري الخليج”، حيث أشار إلى أن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية قدّمت دعماً لوجستياً متبادلاً خلال الأزمة، إلا أن مستوى التنسيق الاستراتيجي لم يكن كافياً لمواجهة طبيعة التحديات المتسارعة في المنطقة.
وأوضح أن دول الخليج حاولت في مراحل سابقة تجنب التصعيد، وكان هناك توجه غير معلن يقضي بعدم استخدام أراضيها في أي مواجهة عسكرية ضد إيران، غير أن هذا النهج لم يمنع وقوع الهجمات، التي وصفها بأنها كانت مخططاً لها مسبقاً، ما يطرح تساؤلات حول جدوى السياسات السابقة في احتواء التوترات.
وأكد قرقاش أن المرحلة الراهنة تتطلب مراجعة عميقة للسياسات الإقليمية، خاصة في ظل ما اعتبره فشلاً لنهج الاحتواء التقليدي، مشيراً إلى أن استمرار الاعتماد على مقاربات قديمة لم يعد مجدياً في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها المنطقة.
وأضاف أن دول الخليج باتت أمام ضرورة تطوير رؤية أكثر واقعية في التعامل مع إيران، تقوم على قراءة دقيقة للمصالح والتحديات، بعيداً عن الاعتبارات العاطفية أو المجاملات السياسية، لافتاً إلى أن التحديات الحالية تتطلب وضوحاً أكبر في الخطاب السياسي وتحديداً أدق للأولويات الاستراتيجية.
وفي سياق متصل، شدد قرقاش على أن الحلول السياسية تظل الخيار الأمثل لتجنب تداعيات التصعيد العسكري، خاصة في ظل إدراك دول المنطقة لحجم المخاطر التي قد تترتب على أي مواجهة مفتوحة، سواء على مستوى الأمن الإقليمي أو الاقتصاد العالمي.
وأشار إلى أن سلوك إيران الإقليمي يعكس طموحات تتجاوز حدودها الجغرافية، وهو ما يثير قلقاً متزايداً لدى دول المنطقة بشأن مستقبل التوازنات الإقليمية، مؤكداً أن التعامل مع هذه المعطيات يتطلب نهجاً أكثر صرامة ووضوحاً في الوقت نفسه.
وأوضح أن أي مراجعة للعلاقات مع طهران لن تكون مبنية على ردود فعل آنية، بل ستستند إلى حسابات استراتيجية عقلانية تأخذ في الاعتبار المتغيرات الجديدة، بما في ذلك التحولات في موازين القوى الإقليمية والدولية.
كما أشار إلى أن أزمة الثقة الحالية بين دول الخليج وإيران قد تستمر لفترة طويلة، ما يستدعي بناء سياسات طويلة الأمد قادرة على التعامل مع حالة عدم اليقين، بدلاً من الاعتماد على حلول قصيرة المدى.
وفي تقييمه للأداء الخليجي خلال الأزمة، لفت قرقاش إلى أن الدعم اللوجستي المتبادل بين دول المجلس يعكس مستوى من التعاون، لكنه لا يعوض غياب التنسيق السياسي والعسكري العميق، مشدداً على أن المرحلة المقبلة تتطلب تطوير آليات أكثر فاعلية لتعزيز العمل المشترك.
وأكد أن تعزيز التضامن الخليجي يجب أن يكون أولوية، خاصة في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه المنطقة، مشيراً إلى أن الاعتماد على الذات أصبح ضرورة استراتيجية، وليس مجرد خيار، في ظل التحولات الدولية وتراجع الاعتماد على القوى الخارجية.
كما دعا إلى صياغة رؤية خليجية مستقلة لمستقبل المنطقة، تقوم على المصالح المشتركة وتعزز القدرة على اتخاذ قرارات سيادية بعيداً عن الضغوط الخارجية، مع التركيز على بناء قدرات دفاعية واقتصادية مستدامة.
وفي ختام تصريحاته، شدد قرقاش على أهمية استخلاص الدروس من المرحلة الراهنة، معتبراً أن التحديات الحالية تمثل فرصة لإعادة بناء منظومة العمل الخليجي على أسس أكثر صلابة وواقعية، بما يضمن تحقيق الاستقرار وتعزيز الأمن الإقليمي على المدى الطويل.





