حذر تقرير نشره موقع (ميدل إيست فوروم) من محاولة إيرانية لبناء ممر نفوذ جديد يمتد من العراق إلى مصر ثم ليبيا، عبر أدوات اقتصادية ودبلوماسية، في تحول لافت عن النموذج التقليدي الذي اعتمدته طهران لعقود عبر الميليشيات المسلحة في العراق وسوريا ولبنان واليمن.
وبحسب التقرير، فإن التركيز على ما يعرف بـ”الهلال الإيراني” الممتد من طهران إلى البحر المتوسط عبر العراق وسوريا ولبنان، قد حجب الانتباه عن مسار جديد يتشكل غرباً، يعتمد بصورة أكبر على المصالح الاقتصادية وشبكات النفوذ المالي، بدلاً من الاعتماد المباشر على الجماعات المسلحة.
ويرى التقرير أن إيران تستفيد من النفوذ الذي تمتلكه داخل مؤسسات الدولة العراقية، ومن الموارد المالية الضخمة التي يوفرها الاقتصاد العراقي، لتمويل مشاريع وعلاقات اقتصادية مع مصر، بما يمنحها – وفق رؤية التقرير – موطئ قدم يمكن أن يمتد لاحقاً إلى ليبيا، خاصة في المناطق الغربية التي تعاني هشاشة أمنية وسياسية.
وأشار التقرير إلى أن هذه الاستراتيجية تختلف عن النموذج الإيراني التقليدي، إذ لا تقوم على إنشاء ميليشيات أو تنظيمات عقائدية، وإنما على بناء شبكة مصالح اقتصادية ودبلوماسية تجعل النفوذ الإيراني أقل ظهوراً وأكثر استدامة.
وأوضح أن العراق يمثل الحلقة الأساسية في هذا المشروع، باعتباره يوفر التمويل والغطاء الاقتصادي، بينما تُستخدم العلاقات التجارية والاستثمارات كأدوات لفتح قنوات نفوذ جديدة بعيداً عن المواجهة المباشرة.
ووفق التقرير، فإن الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 2022، ولا سيما خلال ولاية رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، منحت رجال أعمال مصريين مقربين من الرئيس عبد الفتاح السيسي فرصاً اقتصادية واسعة، معتبراً أن هذه العقود تتجاوز إطار التعاون التجاري التقليدي، ويمكن أن تتحول إلى أدوات تخدم أهدافاً استراتيجية أوسع.
ويرى معدو التقرير أن كثيراً من هذه التحركات جرى التعامل معها داخل العراق باعتبارها قضايا فساد إداري أو سوء إدارة للمشروعات، في حين يعتبرون أنها قد تشكل جزءاً من شبكة نفوذ إيرانية تعتمد على توظيف الاقتصاد لتحقيق أهداف سياسية وأمنية.
وأضاف التقرير أن عائدات النفط العراقي أصبحت مورداً تستخدمه طهران لتعزيز نفوذها الإقليمي دون أن تتحمل بصورة مباشرة التكاليف السياسية أو الاقتصادية المترتبة على ذلك.
وفي ما يتعلق بمصر، اعتبر التقرير أن الأزمة الاقتصادية التي تواجهها البلاد تجعلها أكثر انفتاحاً على مصادر التمويل الخارجية، بما في ذلك الأموال القادمة عبر العراق، وهو ما يخلق – بحسب التقرير – بيئة تسمح بزيادة مستويات التواصل بين القاهرة وجهات مرتبطة بالنفوذ الإيراني.
وأشار إلى أن مصر تتحمل أعباء مالية وأمنية كبيرة، خاصة في ظل استمرار التحديات على حدودها الغربية مع ليبيا، وهو ما يدفعها إلى البحث عن مصادر تمويل إضافية لتخفيف الضغوط الاقتصادية.
وفي هذا السياق، زعم التقرير أن بعض مظاهر التعاون الاقتصادي قد تترافق مع مؤشرات ثقافية ودينية اعتبرها ذات دلالات سياسية، مستشهداً بعمليات ترميم أضرحة شيعية بتمويل أجنبي، إضافة إلى استخدام إمام معتمد من الدولة عبارات ذات طابع شيعي خلال إحدى صلوات الجمعة التي حضرها الرئيس عبد الفتاح السيسي.
واعتبر أن هذه التطورات تعكس درجة من الانفتاح على أنشطة كانت تُعد سابقاً خارج الإطار التقليدي للمؤسسات الدينية المصرية.
واعتبر التقرير أن هذه المؤشرات لا تعني بالضرورة قيام تحالف استراتيجي بين القاهرة وطهران، لكنها قد تعكس استعداداً أكبر لدى بعض المؤسسات لقبول أشكال من التعاون إذا ارتبطت بمكاسب اقتصادية أو تخفيف الضغوط الداخلية.
ويرى التقرير أن إيران لا تسعى في هذه المرحلة إلى إقامة تحالف سياسي معلن مع مصر، وإنما إلى تأمين حرية حركة أكبر، وتوسيع هامش النفاذ الاقتصادي والدبلوماسي، بما يسمح لها ببناء نفوذ طويل الأمد يمكن استثماره لاحقاً في ملفات إقليمية مختلفة.
كما يربط التقرير بين هذه التحركات وبين الوضع في ليبيا، معتبراً أن أي تسهيلات أو قنوات عبور عبر الأراضي المصرية قد تمنح طهران فرصة لتعزيز حضورها في الدولة الغنية بالنفط، مستفيدة من حالة الانقسام السياسي والهشاشة الأمنية التي تشهدها الساحة الليبية.
وأشار إلى أن الهدف النهائي، وفق هذا التصور، لا يتمثل في تحويل مصر إلى حليف مباشر لإيران، بل إلى نقطة عبور ومركز لوجستي يسهّل توسيع النفوذ الإيراني غرباً باتجاه ليبيا وشمال أفريقيا.
واختتم ميدل إيست فوروم تقريره بالتساؤل عما إذا كانت القيادة المصرية تدرك – بحسب تعبيره – الخلفيات الاستراتيجية لبعض الاستثمارات والشركات العراقية العاملة داخل مصر، وما إذا كانت القاهرة ستبقى محطة نهائية لهذا النفوذ أم تتحول إلى ممر يسمح بامتداده نحو ليبيا، في إطار إعادة رسم خرائط النفوذ الإقليمي بعد الحرب الأخيرة مع إيران.





