بدأت الأسواق العالمية تتعامل مع تداعيات الحرب والتصعيد المتواصل في المنطقة باعتبارها أزمة اقتصادية لا يمكن تجاوزها أو تأجيل آثارها، مع اقتراب أسعار النفط من مستوى 100 دولار للبرميل وبلوغ العقود الآجلة لوقود الديزل مستويات قياسية غير مسبوقة.
وتكشف التطورات الأخيرة أن المستثمرين لم يعودوا قادرين على التعامل مع ارتفاع أسعار الطاقة باعتباره صدمة مؤقتة، بعدما بدأت تداعيات الحرب تنعكس بصورة مباشرة على أسواق السندات والأسهم وتكاليف الاقتراض والتضخم في اقتصادات العالم.
ووصل سعر خام برنت، المعيار العالمي لأسعار النفط، إلى نحو 95 دولاراً للبرميل، بعدما كان قد تراجع إلى نحو 80 دولاراً قبل شهر واحد فقط، في ارتفاع يعكس عودة المخاوف من اتساع الاضطرابات وتأثيرها على إمدادات الطاقة وحركة التجارة العالمية.
وجاء التصاعد الأخير في الأسعار في ظل اشتداد التوترات المرتبطة بالملاحة البحرية، بعد تجدد الهجمات على السفن التجارية في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية لتجارة النفط والطاقة في العالم.
وكانت أسعار النفط قد سجلت ارتفاعاً في بداية الحرب، قبل أن تتراجع لاحقاً، إلا أن موجة الصعود عادت بقوة خلال يوليو، مع تجدد القتال والهجمات على حركة الشحن التجاري، ما دفع الأسواق إلى إعادة تقييم المخاطر المرتبطة باستمرار الحرب.
ولم تعد آثار ارتفاع النفط مقتصرة على شركات الطاقة والمستهلكين، بل امتدت إلى الاقتصاد العالمي بأكمله، إذ يؤدي ارتفاع أسعار الوقود إلى زيادة تكلفة الإنتاج والنقل، وبالتالي ارتفاع أسعار السلع والخدمات.
ويخشى المستثمرون وصناع القرار من أن يؤدي استمرار صعود أسعار الطاقة إلى موجة جديدة من التضخم، في وقت لا تزال فيه اقتصادات كبرى تواجه ضغوطاً مالية وتحديات مرتبطة بأسعار الفائدة والديون الحكومية.
وتظهر هذه المخاوف بوضوح في أسواق السندات، حيث ارتفع العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات إلى نحو 4.8%، مسجلاً مستويات لم يشهدها منذ ما يقرب من ثلاثة أعوام.
ويعد العائد على السندات الحكومية الأمريكية مؤشراً مهماً لتكلفة الاقتراض في الاقتصاد، إذ يؤثر على أسعار الرهن العقاري والقروض وتكاليف التمويل للشركات والأفراد.
ولم تقتصر موجة ارتفاع العوائد على الولايات المتحدة، بل امتدت إلى الأسواق العالمية، حيث وصلت عوائد السندات الحكومية في عدد من الاقتصادات الكبرى إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات.
وسجلت عوائد السندات البريطانية لأجل عشر سنوات أعلى مستوياتها منذ عام 2008، فيما ارتفعت السندات الألمانية طويلة الأجل إلى أعلى مستوى منذ عام 2011.
أما السندات الحكومية اليابانية، فقد بلغت مستويات لم تشهدها منذ عام 1996، في تطور يعكس حساسية اليابان الكبيرة لارتفاع أسعار الطاقة باعتبارها من كبار مستوردي النفط.
ويفسر ارتفاع أسعار النفط جزءاً كبيراً من هذا التحول، إذ يدفع صعود تكاليف الطاقة المستثمرين إلى رفع توقعاتهم للتضخم، ما يجعلهم يطالبون بعوائد أعلى على السندات لتعويض التراجع المتوقع في القيمة الشرائية للأموال.
وفي المقابل، لم تحقق أسواق الأسهم مكاسب كبيرة خلال الأسبوع الماضي، إذ تحركت بصورة جانبية وسط حالة من الترقب والقلق.
وتشير العلاقة المتزايدة بين النفط والأسواق المالية إلى أن المستثمرين بدأوا ينظرون إلى استمرار الحرب باعتباره عاملاً يمكن أن يغير مسار الاقتصاد العالمي.
وتظهر التحليلات أن العلاقة بين أسعار النفط وعائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات أصبحت من الأقوى خلال السنوات الخمس الماضية، ما يعني أن ارتفاع النفط بات يتزامن بصورة متزايدة مع ارتفاع عوائد السندات.
وفي المقابل، تبدو العلاقة بين النفط والأسهم أكثر سلبية، إذ يمكن أن يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى الضغط على أرباح الشركات، ورفع تكاليف التشغيل، وإضعاف القوة الشرائية للمستهلكين.
ولا يعني ذلك أن جميع قطاعات الأسهم تتضرر، إذ تستفيد شركات الطاقة من ارتفاع أسعار النفط، بينما تواجه قطاعات أخرى ضغوطاً أكبر.
وتضاف أسعار الطاقة إلى مجموعة من العوامل الأخرى التي تدفع عوائد السندات إلى الارتفاع، من بينها العجز المالي المتزايد، وعدم اليقين الجيوسياسي، والتغيرات الاقتصادية المرتبطة بالاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي.
لكن التطورات المرتبطة بالحرب تبدو حالياً أكثر وضوحاً، مع تزايد المخاوف من استمرار اضطراب أسواق الطاقة لفترة أطول.
وفي بداية الحرب، تراجعت أسواق الأسهم بصورة حادة خلال مارس، قبل أن تستعيد جزءاً من خسائرها لاحقاً، خصوصاً بعد التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في يونيو.
كما انخفضت أسعار الطاقة في تلك الفترة، بعدما ساهم تراجع واردات الصين من النفط في تخفيف الضغوط على الأسواق العالمية.





