كشف تقرير صادر عن معهد أبحاث دويتشه بنك عن تحول كبير في خريطة تكلفة المعيشة العالمية، بعدما أصبحت اليابان، المقومة بالدولار، من بين أقل الاقتصادات المتقدمة تكلفة، في حين واصلت المدن الأمريكية الكبرى تصدر قائمة المدن الأغلى للعيش في العالم.
وأشار التقرير إلى أن التضخم، وقوة الدولار، وتراجع قيمة الين الياباني، إلى جانب التحولات الاقتصادية العالمية، أعادت رسم الفوارق في تكاليف المعيشة بين الاقتصادات المتقدمة، ما جعل الافتراضات التقليدية بشأن المدن الأغلى والأرخص أقل دقة من السابق.
وأوضح معدو التقرير أن التصورات القديمة حول ارتفاع تكلفة المعيشة في بعض الدول وانخفاضها في أخرى لم تعد تنطبق بالضرورة، مع تغير أسعار العملات ومستويات التضخم خلال السنوات الأخيرة.
وجاء التقرير في وقت سجلت فيه الولايات المتحدة أعلى معدل تضخم بين دول مجموعة السبع، وفق أحدث البيانات المتاحة، رغم تراجع أسعار المستهلكين خلال يونيو مقارنة بالشهر السابق، مدفوعة بانخفاض أسعار الطاقة قبل أن تعود أسعار النفط إلى الارتفاع عقب انهيار اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران.
واعتمدت الدراسة على مقارنة الأسعار في 69 مدينة موزعة على ست قارات، بعد تحويل جميع البيانات إلى الدولار الأمريكي، وشملت مؤشرات مثل أسعار السكن، وتناول الطعام خارج المنزل، والأجهزة الإلكترونية، وعدداً من السلع والخدمات اليومية، استناداً إلى بيانات منصة Numbeo.
وأوضح التقرير أن طوكيو، التي كانت تُعد عام 2012 واحدة من أغلى مدن العالم، أصبحت اليوم من بين أقل المدن تكلفة بين الاقتصادات المتقدمة، بينما صعدت مدن أمريكية مثل نيويورك وسان فرانسيسكو إلى صدارة قائمة المدن الأعلى تكلفة.
وأشار إلى أن قيمة الين الياباني انخفضت بنسبة 51% أمام الدولار منذ عام 2012، في حين ارتفعت الأسعار داخل اليابان بنسبة 20% فقط خلال الفترة نفسها، ما جعل الإنفاق بالدولار داخل اليابان أقل كلفة بصورة ملحوظة.
ورأى رئيس معهد أبحاث دويتشه بنك جيم ريد أن هذا التحول قد يجعل اليابان وجهة أكثر جاذبية للمستثمرين، مشيراً إلى أن انخفاض تكاليف المعيشة وقوة الدولار يفتحان فرصاً جديدة للاستثمار في الاقتصاد الياباني.
وبيّن التقرير أن طوكيو جاءت في المرتبة 57 من أصل 69 مدينة من حيث تكلفة تناول وجبة لشخصين، وفي المرتبة 40 من حيث تكلفة استئجار شقة مكونة من ثلاث غرف نوم، ما يعكس تراجعاً كبيراً في تكاليفها مقارنة بمدن أخرى.
وأضاف أن تكلفة تناول وجبة لشخصين في مدن مثل نيويورك أو زيورخ أو جنيف أصبحت تعادل نحو ثلاثة أضعاف تكلفة الوجبة نفسها في طوكيو عند احتسابها بالدولار.
كما أصبحت اليابان، وفق التقرير، أقل دول العالم تكلفة لشراء هاتف “آيفون” بعد احتساب الضرائب، بينما جاء سعر كوب القهوة في طوكيو أقل من أسعاره في 44 مدينة من أصل 69 شملتها الدراسة، بما في ذلك عدد من الأسواق الناشئة.
وفي المقابل، سجلت نيويورك أعلى متوسط لإيجارات الشقق بين المدن المشمولة، إذ بلغ متوسط إيجار شقة من ثلاث غرف نوم داخل مركز المدينة نحو 8900 دولار شهرياً، متجاوزاً بأكثر من ألفي دولار ثاني أغلى مدينة، وهي زيورخ.
أما في طوكيو، فقد بلغ متوسط إيجار الشقة المماثلة نحو 2400 دولار شهرياً، وهو ما يعكس الفارق الكبير في تكاليف السكن بين المدينتين.
ولفت التقرير إلى أن متوسطات الإيجارات قد تتأثر بوجود عقارات مرتفعة الثمن للغاية، ما قد يؤدي إلى رفع متوسط الأسعار في بعض المدن بصورة لا تعكس جميع مستويات السوق.
وأكد معدو الدراسة أن ارتفاع تكلفة المعيشة لا يعد مؤشراً سلبياً بالضرورة، إذ قد يكون انعكاساً لقوة الاقتصاد وجاذبيته للاستثمارات ورؤوس الأموال، مشيرين إلى أن المدن الأغلى غالباً ما تكون من بين أكثر المراكز الاقتصادية نشاطاً على مستوى العالم.
وخلص التقرير إلى أن التغيرات في أسعار العملات والتضخم العالمي أعادت تشكيل خريطة تكلفة المعيشة، لتتحول اليابان إلى واحدة من أكثر الاقتصادات المتقدمة جذباً من حيث التكلفة، في وقت تواصل فيه المدن الأمريكية تسجيل مستويات قياسية في أسعار السكن والخدمات والإنفاق اليومي.





