دخلت العلاقات التركية السعودية مرحلة جديدة مع توقيع اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان في مكة المكرمة، بعد سنوات من التوتر السياسي والخلافات الإقليمية التي جعلت البلدين على طرفي نقيض في عدد من أبرز ملفات الشرق الأوسط.
وجمعت الاتفاقية الدفاعية لأول مرة السعودية وتركيا وباكستان ضمن إطار أمني ثلاثي، في خطوة اعتبرت تحولاً كبيراً في مسار العلاقات بين أنقرة والرياض، بعدما انتقل البلدان من مرحلة القطيعة السياسية إلى التعاون العسكري والدفاعي.
وجاء التوقيع خلال لقاء جمع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في مكة المكرمة، حيث أدى القادة الثلاثة صلاة الجمعة قبل الإعلان عن الاتفاق.
ويمثل الاتفاق تتويجاً لمسار تقارب بدأ قبل عدة سنوات، بعد فترة طويلة من التنافس السياسي والإقليمي بين البلدين، ارتبطت بخلافات حول ملفات مصر وليبيا وقطر وسوريا، وصولاً إلى أزمة مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في إسطنبول.
وتعود جذور التنافس بين أنقرة والرياض إلى عقود طويلة، إذ سعت الدولتان إلى لعب دور قيادي في العالم الإسلامي السني منذ تأسيس الجمهورية التركية والمملكة العربية السعودية في القرن الماضي، رغم احتفاظهما بعلاقات دبلوماسية مستقرة في معظم الفترات.
كما ظل الإرث العثماني أحد ملفات الخلاف، إذ انتقدت تركيا في أكثر من مناسبة إزالة معالم تاريخية عثمانية في مكة المكرمة، أبرزها هدم قلعة أجياد عام 2002، بينما أكدت السعودية آنذاك أن القرار يدخل ضمن سيادتها وخططها لتوسعة الحرم المكي واستقبال الحجاج.
لكن العلاقات شهدت تحولاً أكبر بعد اندلاع ثورات الربيع العربي عام 2011، عندما تبنى البلدان رؤيتين مختلفتين تجاه التحولات السياسية في المنطقة.
ففي مصر دعمت تركيا الرئيس المنتخب محمد مرسي ورفضت الانقلاب العسكري عام 2013، بينما دعمت السعودية الرئيس عبد الفتاح السيسي، كما استضافت أنقرة شخصيات معارضة للنظام المصري ووفرت لها منصات إعلامية.
وامتد الخلاف إلى الأزمة الخليجية عام 2017، عندما وقفت تركيا إلى جانب قطر بعد فرض السعودية والإمارات والبحرين ومصر حصاراً عليها، بينما عززت أنقرة وجودها العسكري في الدوحة.
كما اختلف الطرفان في ليبيا، إذ دعمت تركيا الحكومة المعترف بها دولياً في طرابلس، بينما دعمت السعودية في مراحل مختلفة قوات خليفة حفتر شرق البلاد.
وبلغ التوتر ذروته عام 2018، عندما وصف محمد بن سلمان تركيا بأنها جزء من “مثلث الشر”، إلى جانب إيران والجماعات المتطرفة، قبل أشهر من مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده في إسطنبول.
وشكلت قضية خاشقجي أكبر أزمة بين البلدين في العقود الأخيرة، بعدما اتهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مسؤولين سعوديين رفيعي المستوى بالوقوف خلف عملية الاغتيال، بينما فتحت النيابة التركية تحقيقاً شمل توجيه اتهامات إلى عشرين مواطناً سعودياً.
وأعقب الأزمة تراجع كبير في العلاقات السياسية والاقتصادية، إذ فرضت السعودية مقاطعة غير رسمية للبضائع التركية، ما أدى إلى انخفاض الصادرات التركية إلى السوق السعودية بصورة حادة، كما تبادل الطرفان إجراءات إعلامية وقيوداً على وسائل إعلام تابعة لكل منهما.
غير أن المشهد بدأ يتغير عام 2022، عندما زار محمد بن سلمان أنقرة للمرة الأولى منذ قضية خاشقجي، والتقى الرئيس أردوغان، حيث أعلن الجانبان فتح صفحة جديدة في العلاقات، وتوسيع التعاون في مجالات الاقتصاد والطاقة والدفاع والسياحة.
وجاء التقارب ضمن موجة أوسع من المصالحات الإقليمية شملت استئناف العلاقات السعودية مع قطر وإيران، بالتوازي مع إعادة تركيا بناء علاقاتها مع الإمارات ومصر وعدد من الدول العربية.
ومنذ ذلك الحين، وقع البلدان سلسلة من الاتفاقيات الاقتصادية والعسكرية، كان أبرزها شراء السعودية طائرات مسيرة تركية عام 2023 في أكبر صفقة دفاعية بتاريخ الصناعات العسكرية التركية.
وخلال السنوات الأخيرة، اتسع التقارب ليشمل ملفات إقليمية جديدة، إذ دعمت أنقرة والرياض الحكومة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع، كما عملتا معاً للضغط من أجل رفع العقوبات عن سوريا.
وفي السودان، دعمت الدولتان القوات المسلحة السودانية بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، بينما برز تقارب مماثل في الصومال، حيث وقفت تركيا والسعودية إلى جانب الحكومة المركزية، في مقابل دعم إماراتي لأرض الصومال.
وأدى هذا التقارب إلى تقليص مساحة الخلافات بين أنقرة والرياض، بينما برزت في المقابل تباينات متزايدة بين السعودية والإمارات في عدد من الملفات الإقليمية، خاصة في اليمن والسودان والقرن الأفريقي.





