حذرت صحيفة وول ستريت جورنال من تصاعد المخاطر التي تهدد إمدادات النفط العالمية، في ظل تزامن اضطرابات البحر الأحمر مع الهجمات الأوكرانية على البنية التحتية النفطية الروسية في البحر الأسود، الأمر الذي يزيد الضغوط على أسواق الطاقة ويرفع احتمالات ارتفاع أسعار الخام خلال الفترة المقبلة.
وقالت الصحيفة إن تهديدات جماعة الحوثي بفرض حصار بحري على السعودية بدأت تتحول إلى واقع، في وقت أدت فيه الضربات الأوكرانية على روسيا إلى تعطيل عمليات أحد أهم خطوط أنابيب تصدير النفط في البحر الأسود، ما أوجد ضغوطًا متزامنة على مسارات رئيسية لإمدادات الطاقة العالمية.
وأضافت أن الهجمات الأوكرانية، التي تستهدف تقليص القدرات الاقتصادية والعسكرية الروسية، عطلت أيضًا شحنات النفط الخام عبر البحر الأسود، وأثرت على إنتاج الوقود في عدد من المصافي الروسية.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول في البيت الأبيض قوله إن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طلبت من أوكرانيا الحد من الهجمات التي تستهدف السفن غير الروسية، بعد سلسلة ضربات أصابت سفنًا قرب ميناء نوفوروسيسك الروسي، وتسببت في تعطيل تدفقات النفط عبر خط أنابيب ينقل النفط الروسي والكازاخستاني إلى البحر الأسود.
وأوضحت أن خط الأنابيب، الذي تديره مجموعة شركات تضم “إكسون” و”شيفرون”، ينقل ما يقارب 2% من الإمدادات النفطية العالمية، مشيرة إلى أن خام برنت ارتفع بنسبة 2% ليبلغ نحو 91 دولارًا للبرميل، وهو أعلى مستوى له منذ عدة أسابيع.
وأكدت الصحيفة أن التهديد الأكبر يتمثل في احتمال تعطيل صادرات النفط السعودية عبر البحر الأحمر، بعدما أصبحت المملكة تعتمد بصورة متزايدة على هذا المسار لتصدير الجزء الأكبر من إنتاجها، عقب تراجع الاعتماد على الخليج العربي بسبب المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز.
وأشارت إلى أن السعودية تنقل ملايين البراميل يوميًا عبر خطوط الأنابيب التي تعبر أراضيها إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، قبل تصديرها عبر مضيق باب المندب إلى الأسواق العالمية، ما يجعل أي اضطراب في هذا الممر البحري تهديدًا مباشرًا لصادراتها.
ونقلت الصحيفة عن رئيس قسم التحليل الجيوسياسي في شركة “ريستاد إنرجي”، خورخي ليون، قوله إن أي اضطراب في باب المندب سيهدد ليس فقط صادرات السعودية، بل أحد آخر المسارات القادرة على تعويض التراجع الحاد في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.
وأوضحت أن مناطق سيطرة الحوثيين تقع بمحاذاة مضيق باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن ويعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط السعودي إلى الأسواق الآسيوية، مشيرة إلى أن الجماعة نجحت خلال السنوات الثلاث الماضية في تعطيل الملاحة مرارًا عبر مهاجمة السفن وإغراق بعضها.
وأظهرت بيانات شركة LSEG، بحسب الصحيفة، أن ناقلتي النفط “Xin Long Yang” و”Rodos”، اللتين كانتا تحملان النفط من موانئ سعودية باتجاه باب المندب، غيرتا مسارهما وعادتا شمالًا نحو قناة السويس، كما عدلت عدة سفن أخرى، بينها ناقلات نفط عملاقة وسفن شحن، مساراتها لتجنب المنطقة.
ولفتت الصحيفة إلى أن المتحدث العسكري باسم الحوثيين أعلن فرض حصار بحري على السعودية، في وقت تتصاعد فيه الضغوط الأمريكية على إيران، التي هددت بدورها بإغلاق البحر الأحمر للضغط على الاقتصاد العالمي ودفع إدارة ترامب إلى تغيير سياساتها.
ونقلت عن مسؤولين عرب قولهم إن الحوثيين عززوا انتشارهم العسكري على امتداد البحر الأحمر ومضيق باب المندب، ونشروا صواريخ ومنظومات إضافية، إلى جانب تمسكهم بمواقف متشددة في المفاوضات السياسية، وهو ما يزيد من المخاوف السعودية بشأن أمن الملاحة في المنطقة.
وأشارت الصحيفة إلى أن نحو 12% من تجارة النفط المنقولة بحرًا كانت تمر عبر باب المندب قبل اندلاع الحرب، بينما ارتفعت صادرات النفط من ميناء ينبع إلى نحو أربعة ملايين برميل يوميًا منذ بداية الأزمة، مقارنة بمليون برميل فقط قبلها، موضحة أن حوالي 2.5 مليون برميل يوميًا تتجه عبر باب المندب إلى الأسواق الآسيوية.
وحذر خورخي ليون من أن استمرار الاضطرابات في مضيقي هرمز وباب المندب في الوقت نفسه، في حال تعثر التوصل إلى وقف لإطلاق النار، قد يؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط العالمية.
وأضافت الصحيفة أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قلل من المخاوف بشأن احتمال تحول حصار البحر الأحمر إلى صراع إقليمي واسع، لكنه أكد استعداد واشنطن للتحرك إذا تدهورت الأوضاع، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة سبق أن شنت عام 2025 عملية عسكرية واسعة ضد الحوثيين انتهت باتفاق لوقف إطلاق النار، رغم تكبدها خسائر في الطائرات العسكرية.
وأوردت الصحيفة تقديرات محللي شركة كبلر، التي تشير إلى أن استمرار تعطل الملاحة في باب المندب ومضيق هرمز معًا قد يهدد طرقًا بحرية تنقل نحو ربع إمدادات النفط العالمية.
وأضافت أن حركة الملاحة عبر باب المندب تراجعت من 65 إلى 72 سفينة تجارية يوميًا قبل هجمات الحوثيين في أكتوبر 2023 إلى نحو النصف، ولم تستعد مستوياتها الطبيعية رغم تحسنها بعد وقف إطلاق النار في غزة، إذ بلغ متوسط العبور نحو 45 سفينة يوميًا خلال مطلع عام 2026.
ورجحت شركة “كبلر” أن يؤدي استمرار استهداف السفن المرتبطة بالسعودية إلى خفض حركة الملاحة إلى النصف مقارنة بالمستويات الحالية، بينما قد تتراجع بصورة أكبر إذا توسع الحصار ليشمل سفنًا أخرى.
كما أشارت الصحيفة إلى أن الحوثيين سبق أن أنشأوا نظامًا يمنح بعض السفن تصاريح مسبقة للعبور، عبر تقديم طلبات إلكترونية قبل عدة أيام، في آلية مشابهة للنظام الذي تسعى إيران إلى تطبيقه في مضيق هرمز.
وختمت الصحيفة بالإشارة إلى مذكرة صادرة عن شركة Marisks للمخاطر البحرية، اعتبرت أن إعلان الحوثيين فرض حصار بحري على السعودية يمثل تصعيدًا حقيقيًا يجب التعامل معه بجدية، داعية الشركات التي تعتمد على التجارة مع المملكة إلى رفع مستوى الحذر، خصوصًا بالنسبة للسفن التي ترسو في موانئ البحر الأحمر.





