استقطب معرض “أنوزيرو – بينالي كويمبرا” في كوينبرا البرتغالية أعمالاً فنية من مختلف أنحاء العالم، مع حضور لافت لقصص الشرق الأوسط، حيث برزت تجارب من قطاع غزة وسوريا كأحد المحاور الرئيسية التي تعكس آثار الحروب والنزوح والذاكرة الجماعية.
وجمع المعرض، الذي يمتد حتى يوليو، فنانين ومهندسين معماريين ضمن رؤية فنية تسعى إلى استكشاف قضايا معاصرة، من بينها الصراعات المسلحة والتهجير القسري، من خلال أعمال تفاعلية تُعرض في مواقع متعددة داخل المدينة، تشمل حدائق ومبانٍ تاريخية ومساحات عامة.
ويقوم البينالي على مفهوم “أن تمسك، أن تعطي، أن تستقبل”، وهو إطار فكري يستند إلى فكرة التبادل بوصفه جوهر التجربة الإنسانية والفنية، حيث يتحول المعرض إلى مساحة مشتركة تجمع بين الفنانين والجمهور في علاقة تفاعلية تتجاوز العرض التقليدي.
وبرزت الأعمال المرتبطة بفلسطين بشكل خاص، حيث قدّم الفنان تيسير البطنيجي مشروعاً بعنوان “احتياطاً #2”، يضم نحو 250 صورة لمفاتيح منازل تعود لفلسطينيين نزحوا خلال الحرب.
ويعتمد العمل على رمز المفتاح بوصفه دلالة مستمرة على الفقدان والاقتلاع، إذ توثّق كل صورة قصة منزل دُمّر وسكان اضطروا إلى الفرار، مع ملاحظات مكتوبة بخط اليد تتضمن أسماء أصحاب المفاتيح وتفاصيل نزوحهم.
ويكشف المشروع عن بعد إنساني مباشر للحرب، حيث تتحول المفاتيح إلى شواهد على الذاكرة المهددة، فيما تحمل التفاصيل المكتوبة طابعاً شخصياً يعزز من قوة السرد البصري.
وتتقاطع هذه الأعمال مع مشروع فوتوغرافي يوثق أشجار الزيتون في فلسطين، باعتبارها رمزاً للهوية والصمود، حيث يشير العمل إلى تدمير واسع لهذه الأشجار، في محاولة لطمس الارتباط بالأرض.
كما تضم المعروضات أعمالاً فنية أخرى توظف الرموز البصرية للتعبير عن التضامن، مثل صورة تستلهم شكل البطيخ كإشارة رمزية للقضية الفلسطينية، إلى جانب توثيق احتجاجات داخل إسرائيل ومشاهد من الواقع السياسي.
في جانب آخر، تعرض منظمة Forensic Architecture أعمالاً تحليلية توثق ما تصفه بأنماط متكررة في العمليات العسكرية، مع التركيز على أوامر الإخلاء في غزة بوصفها أداة للتهجير القسري.
وتستند هذه الأعمال إلى توثيق حالات واقعية، بينها قصة زوجين نزحا تحت أوامر متكررة، قبل أن يتعرضا لسلسلة من الهجمات رغم امتثالهما للتعليمات، ما يسلط الضوء على تعقيدات الواقع الإنساني في مناطق النزاع.
وتشير هذه الأعمال إلى أن ما يُقدَّم كإجراءات إنسانية قد يتحول عملياً إلى أدوات ضغط، في ظل غياب بيئة آمنة تضمن حماية المدنيين، وهو ما يعكس تناقضاً بين الخطاب والممارسة على الأرض.
في السياق السوري، يسلط المعرض الضوء على فقدان التراث الثقافي، من خلال عمل فني يستعيد ذاكرة متحف الرقة المدمر، عبر تركيب نحتي وصوتي يوثق شهادات موظفين فقدوا مؤسستهم وتراثهم.
ويعتمد العمل على إعادة تشكيل قطع أثرية مفقودة باستخدام تقنيات حديثة، في محاولة للحفاظ على الذاكرة، رغم الاعتراف بأن الأصل قد يكون ضاع إلى الأبد، ما يعكس صراعاً بين الفقدان ومحاولات التوثيق.
ويقدم المعرض رؤية شاملة للمنطقة، حيث تتداخل القضايا السياسية والإنسانية مع التعبير الفني، ليصبح الفن وسيلة لفهم الواقع، وليس مجرد انعكاس له.
ويعكس الحضور القوي لقصص الشرق الأوسط في البينالي اهتماماً دولياً متزايداً بتوثيق آثار الحروب، خاصة مع استمرار النزاعات وتزايد أعداد النازحين.
ويتيح توزيع الأعمال في مساحات متعددة تجربة مشاهدة أكثر تركيزاً، تمنح الجمهور فرصة للتأمل في كل عمل على حدة، بعيداً عن التكدس البصري، ما يعزز من تأثير الرسائل المطروحة.





