تصاعد الغضب الشيعي في باكستان يربك دورها كوسيط بين واشنطن وطهران

إسلام أباد

شارك

يشهد الداخل في باكستان حالة توتر متصاعدة على خلفية الحرب المرتبطة بـإيران، في وقت تحاول فيه إسلام آباد الحفاظ على موقعها كوسيط رئيسي بين الولايات المتحدة وطهران، وسط مخاوف من انزلاق الوضع إلى اضطرابات طائفية.

وتسارع القيادة الباكستانية إلى احتواء التداعيات الداخلية للصراع، بعدما أثار مقتل شخصيات دينية إيرانية بارزة موجة غضب بين الشيعة، الذين يرتبط كثير منهم بعلاقات دينية وروحية وثيقة مع المؤسسة الدينية في إيران.

وعقد قائد الجيش الباكستاني عاصم منير اجتماعاً مع كبار رجال الدين الشيعة في مارس، في محاولة لاحتواء التوتر ومنع اتساع رقعة العنف، مؤكداً أن الدولة لن تتسامح مع أي أعمال عنف على خلفية أحداث خارجية.

وكشف الاجتماع عن حالة احتقان داخل الأوساط الشيعية، حيث اعتبر بعض المشاركين أن ولاءهم الوطني موضع شك، فيما رأى آخرون أن تصريحات القيادة العسكرية أُسيء تفسيرها، وأن الهدف كان منع الانفلات الأمني.

وتقدّر أعداد الشيعة في باكستان بنحو 35 مليون نسمة، وهم أقلية كبيرة داخل مجتمع يتجاوز 250 مليون نسمة، وقد تعرضوا خلال العقود الماضية لهجمات متكررة من جماعات مسلحة، ما يجعل أي توتر إقليمي عاملاً حساساً داخلياً.

وتحوّلت الحرب إلى قضية داخلية بارزة، تأتي في صدارة اهتمامات الرأي العام إلى جانب أزمات المعيشة، مثل ارتفاع أسعار الوقود والانقطاعات المتكررة للكهرباء، في ظل مخاوف رسمية من عودة العنف الطائفي.

وأثارت التطورات الأخيرة تساؤلات حول الهوية والولاء لدى بعض الشيعة، خاصة أولئك الذين يتبنون مبدأ “ولاية الفقيه”، الذي يمنح القيادة الدينية في إيران تأثيراً عابراً للحدود.

وشهدت مدن رئيسية، بينها كراتشي، احتجاجات غاضبة، حيث اقتحم محتجون القنصلية الأمريكية، ما أسفر عن سقوط قتلى، في مؤشر على عمق الغضب الشعبي تجاه الدور الأمريكي في الحرب.

في التجمعات الدينية، عبّر رجال دين ونشطاء عن تضامنهم مع القيادة الإيرانية، واعتبروا الصراع ذا بعد ديني، مستحضرين رمزية أحداث تاريخية مثل معركة كربلاء، في محاولة لتأطير المواجهة ضمن سياق عقائدي.

في المقابل، حاولت الخطابات الدينية تجنب الاصطدام المباشر مع الدولة الباكستانية، عبر التركيز على انتقاد إسرائيل والولايات المتحدة دون التطرق لدور إسلام آباد في الوساطة.

وأعادت الحرب إحياء مشاعر العداء للولايات المتحدة داخل قطاعات من المجتمع، بعد فترة من التراجع النسبي في هذه المشاعر عقب انسحاب واشنطن من أفغانستان عام 2021.

وأثارت التحركات الدبلوماسية الباكستانية الأخيرة، بما في ذلك الانخراط في مبادرات سلام واستضافة محادثات بين الجانبين، جدلاً داخلياً، حيث يرى بعض المواطنين أن السياسة الخارجية لا تعكس توجهات الشارع.

وتسعى الحكومة إلى الحفاظ على توازن دقيق بين دورها الدولي كوسيط وبين استقرارها الداخلي، في ظل بيئة إقليمية معقدة وضغوط متزايدة من الأطراف المختلفة.

ويرتبط هذا التوتر بتاريخ طويل من التنافس الإقليمي، حيث ساهمت تداعيات الثورة الإيرانية عام 1979 في تغذية صراعات طائفية داخل باكستان، مدفوعة بتنافس نفوذ بين قوى إقليمية.

وتشير التقديرات إلى أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى إعادة تنشيط جماعات متطرفة، سواء عبر استهداف مصالح أجنبية داخل البلاد أو عبر انخراط أفراد في صراعات خارجية.

وحذرت أجهزة الأمن من أن استهداف الرموز الدينية أو المواقع المقدسة في إيران قد يدفع بعض الشباب نحو التطرف، ما يشكل تهديداً مباشراً للأمن الداخلي.

ورغم نجاح السلطات حتى الآن في احتواء موجة الغضب، فإن المخاوف لا تزال قائمة من أن يؤدي استمرار الصراع إلى تقويض صورة باكستان كوسيط دولي، وإضعاف قدرتها على لعب دور دبلوماسي فاعل.

شارك

Facebook
X
WhatsApp
LinkedIn
Telegram
Email

قد يعجبك أيضاً