يواصل مئات الآلاف من العمال المهاجرين في دول الخليج العمل في الشوارع ومواقع البناء والخدمات الأساسية رغم تصاعد الهجمات الصاروخية المرتبطة بالحرب مع إيران، في ظل غياب البدائل الاقتصادية التي تسمح لهم بالتوقف عن العمل أو مغادرة المنطقة.
ويقول العديد من العمال إنهم يضطرون إلى الاستمرار في العمل رغم المخاطر الأمنية لأن توقفهم عن العمل يعني فقدان مصدر رزقهم الوحيد.
وقال سائق توصيل باكستاني يعمل في دبي إنه يضطر إلى مواصلة العمل لساعات طويلة حتى في ظل المخاوف الأمنية، موضحاً أن دخله يعتمد على عدد الطلبات التي ينجزها يومياً.
وأضاف أن نظام العمل بالعمولة يجبره على الاستمرار في العمل مهما كانت الظروف، مؤكداً أن التوقف عن العمل يعني ببساطة عدم القدرة على تأمين الطعام.
ويعد هذا السائق واحداً من مئات الآلاف من العمال المهاجرين الذين يعملون في قطاعات أساسية في دول الخليج مثل البناء والنظافة والخدمات اللوجستية والأمن والتوصيل.
وتشير المعطيات إلى أن هؤلاء العمال يشكلون العمود الفقري للاقتصادات الخليجية، خصوصاً في دول مثل الإمارات وقطر حيث يشكل العمال الأجانب غالبية السكان.
وتأتي هذه التطورات في وقت أسفرت فيه الضربات الإيرانية على دول الخليج عن سقوط عدد من الضحايا المدنيين منذ بداية الحرب.
وكان من بين القتلى عامل بنغلاديشي يبلغ من العمر خمسة وخمسين عاماً قتل أثناء عمله في توصيل المياه في الإمارات خلال اليوم الأول من الحرب.
كما تشير الوقائع إلى أن جميع الضحايا المدنيين الذين سقطوا في الإمارات حتى الآن كانوا من العمال المهاجرين القادمين من دول جنوب آسيا.
وتقول منظمات حقوقية إن العديد من العمال المهاجرين وجدوا أنفسهم في مواجهة المخاطر الأمنية دون توجيهات واضحة أو تدابير حماية كافية.
كما تشير شهادات ميدانية إلى انتشار مشاعر القلق والصدمة بين العمال في عدة دول خليجية مع استمرار الضربات الصاروخية.
ويؤكد ناشطون أن العمال يواجهون شكلين من التمييز في هذه الظروف.
ويتمثل الأول في استبعادهم من أنظمة التواصل الرسمية المتعلقة بإجراءات السلامة، حيث لم يتلق كثير منهم معلومات واضحة حول الملاجئ أو خطط الإخلاء أو إجراءات الطوارئ.
أما الشكل الثاني فيتمثل في التمييز الهيكلي المرتبط بطبيعة سوق العمل في المنطقة.
فباعتبارهم قوة العمل الأساسية في قطاعات الخدمات والبناء والنقل، يُطلب من العديد منهم الاستمرار في العمل حتى أثناء الهجمات.
ويضع هذا الواقع العمال في مواجهة مباشرة مع المخاطر الأمنية في الوقت الذي يختار فيه كثير من السكان البقاء في منازلهم.
ويبرز هذا التفاوت بشكل واضح في قطاع خدمات التوصيل. فمع بقاء عدد كبير من السكان في منازلهم خوفاً من الهجمات، ارتفع الطلب على خدمات التوصيل بشكل كبير.
وقال سائق توصيل يعمل في أبوظبي إنه اضطر للعمل لساعات طويلة بعد بداية الحرب بسبب ارتفاع عدد الطلبات.
وأوضح أن الكثير من السكان باتوا يعتمدون على خدمات التوصيل للحصول على الطعام والمواد الأساسية بدلاً من الخروج إلى المتاجر.
وأشار إلى أنه يعمل أحياناً ليلاً ونهاراً مع فترات راحة قصيرة بسبب الضغط المتزايد على خدمات التوصيل.
كما قال عامل آخر في دبي إنه يعيش في غرفة مشتركة مع عدد من العمال ويعمل بنظام المناوبات الطويلة.
وأضاف أن نظام العمل القائم على الدفع مقابل كل طلب لا يترك له خياراً سوى الاستمرار في العمل مهما كانت الظروف.
وفي ظل استمرار الهجمات أصبح العمال المهاجرون أيضاً من أبرز الشهود الذين يوثقون آثار الضربات في المنطقة.
فالكثير من الصور والمقاطع التي تظهر آثار الهجمات في المدن الخليجية التقطها عمال مهاجرون بهواتفهم المحمولة أثناء وجودهم في مواقع العمل.
لكن هذا الدور قد يعرض بعضهم أيضاً للمساءلة القانونية في حال نشر أو تصوير مشاهد مرتبطة بالحوادث الأمنية.
وفي البحرين اعتقلت السلطات عدة عمال أجانب بعد قيامهم بتصوير آثار الضربات الصاروخية.
ويخشى ناشطون حقوقيون أن يتحمل العمال المهاجرون العبء الأكبر من أي إجراءات أمنية أو حملات اعتقال قد ترافق التصعيد العسكري.
كما أن ضعف الدعم القنصلي من بعض الدول التي ينحدر منها العمال يزيد من صعوبة أوضاعهم.
فالكثير من الدول المصدرة للعمالة مثل نيبال وبنغلاديش والهند وإثيوبيا لا توفر دعماً كافياً لمواطنيها العاملين في الخارج خلال الأزمات.
ويقول عمال مهاجرون إنهم يراقبون عمليات إجلاء المواطنين الغربيين من المنطقة، في حين لا يملكون هم أي خيار مماثل.
كما يشير بعضهم إلى أن الحديث داخل مجتمعات العمال لا يتركز كثيراً على السلامة الشخصية بقدر ما يركز على كيفية الاستمرار في العمل وتأمين الدخل.
ويرى مراقبون أن استمرار اعتماد اقتصادات الخليج على العمالة المهاجرة في القطاعات الحيوية يجعل هؤلاء العمال في الخطوط الأمامية للأزمات الأمنية والاقتصادية في المنطقة.
كما يؤكد خبراء أن الحرب الحالية كشفت مرة أخرى هشاشة أوضاع العمال المهاجرين الذين يواصلون العمل للحفاظ على استمرار الحياة الاقتصادية في دول الخليج رغم المخاطر المتزايدة.




