تتبع دراسة جديدة أرباحاً تقدر بنحو 50 مليار دولار ارتبطت بالحرب والدمار في غزة، وتبحث في المستفيدين من صناعة الأسلحة التي تواصل تحقيق مكاسب ضخمة بالتزامن مع الصراعات في غزة واليمن، في وقت يتحمل فيه المدنيون كلفة بشرية هائلة.
ويتناول كتاب “تحقيق مكاسب هائلة: كيف يستفيد الغرب من المذبحة في غزة واليمن”، الصادر عن منظمة “شادو وورلد إنفستيجيشنز” المتخصصة في التحقيق في فساد الأسلحة، وشارك في تأليفه أندرو فاينشتاين وروث رود وجاك سينامون، العلاقة بين صناعة الأسلحة والسياسة والفساد.
وبدأ المشروع عام 2017 بهدف توثيق الحرب في اليمن، قبل أن يضيف المؤلفون غزة إلى التحقيق بعد بدء الحرب في أكتوبر 2023. ويتتبع الكتاب، المقرر نشره في نوفمبر، مسار الأموال من ساحات الحرب إلى اجتماعات السياسيين والرؤساء التنفيذيين لشركات تصنيع الأسلحة، محاولاً الكشف عما يصفه المؤلفون بالفساد المتجذر في المجمع الصناعي العسكري.
ويركز الكتاب أيضاً على أصوات ضحايا الحروب، ومن بينهم الصحفي الفلسطيني أحمد النوق، مؤلف كتاب “لسنا أرقاماً”، الذي فقد ثلاثة أجيال من عائلته في غارة جوية إسرائيلية واحدة على منزله في غزة.
ويروي النوق أنه علم بمقتل أفراد عائلته عبر رسالة من صديق في غزة قالت: “غارة جوية. الجميع قُتلوا”.
ويقول النوق إن إسرائيل اعتقدت أن قتل عائلته سيُسكته ويحطمه، لكنه رأى في فقدانهم دافعاً جديداً لمعرفة من قتل عائلته ومن استفاد من مقتلها، ليصبح هذا السؤال محوراً رئيسياً للتحقيق الذي أجراه فاينشتاين ورود وسينامون.
ويفصل الكتاب في تاريخ الحرب في اليمن والدور الذي لعبته الأسلحة الغربية في تمكينها، وهي العلاقة التي يقول المؤلفون إنها لا تزال مستمرة مع التصعيد الأخير بين السعودية والحوثيين في اليمن.
ويضع الكتاب هذه العلاقة في سياق تاريخ طويل من الصفقات العسكرية بين القوى الغربية والسعودية، مشيراً إلى أن العلاقة لطالما ارتبطت باتهامات بالرشوة والمخالفات القانونية.
وتبرز في هذا السياق صفقة اليمامة للأسلحة بين السعودية وبريطانيا، والتي كانت الأكبر في تاريخ المملكة المتحدة، حيث يُزعم أن ما يصل إلى 6 مليارات جنيه إسترليني، أي نحو 7.94 مليار دولار، دُفعت في شكل رشى وهدايا لأفراد من العائلة المالكة السعودية ووسطاء وغيرهم، بينهم نجل رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر، من جانب الشركة المعروفة اليوم باسم بي إيه إي سيستمز، أكبر شركة أسلحة في بريطانيا.
ويشير الكتاب إلى أن تجارة الأسلحة، رغم أنها لا تمثل سوى نحو نصف في المئة من التجارة العالمية، ترتبط بما يقدر بنحو 40 في المئة من قضايا الفساد.
ويرى المؤلفون أن طبيعة صفقات الأسلحة، التي تبرم في كثير من الأحيان بصورة مبهمة وبأموال دافعي الضرائب، تتيح إخفاء جوانب واسعة منها خلف تصنيفات أمنية، بينما يجري التعامل مع شركات تصنيع الأسلحة الكبرى في بعض الحالات باعتبارها امتداداً للدولة.
ويشير التحقيق إلى ما يعرف بـ”الباب الدوار” بين المسؤولين الحكوميين وجماعات الضغط في قطاع الأسلحة، ويرى المؤلفون أن العلاقة أعمق من مجرد انتقال أفراد بين الحكومة والشركات، لتصل إلى مستوى النفوذ المباشر على صناعة القرار السياسي.
ويرى المؤلفون أن القضية لا تتعلق بالأسلحة نفسها فقط، وإنما بقدرة الشركات على التأثير في الحكومات التي تتيح لها إقامة هذه العلاقات.
وبحسب الكتاب، تعود الأموال الناتجة عن صناعة الأسلحة إلى السياسيين وجماعات الضغط ومراكز الأبحاث، لتؤثر في السياسة الخارجية وتساعد على استمرار بيئة تسمح بتراكم الأرباح الخاصة.
ويصف المؤلفون هذا الوضع بأنه ليس خللاً في النظام، وإنما جزء من آلية عمله، معتبرين أن تجارة الأسلحة تمثل أحد أعمدة سلطة الدولة في ظل الهيمنة الأمريكية، مع اعتبار إسرائيل والسعودية قطبين استراتيجيين للحفاظ على النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط.
ويضع الكتاب حرب اليمن وغزة ضمن التحول العالمي من الهيمنة الاستعمارية الأوروبية إلى نظام سياسي واقتصادي يتمحور حول الولايات المتحدة، حيث تتعاون النخب السياسية والاقتصادية مع شركات تصنيع الأسلحة من أجل الحفاظ على نظام يتيح استمرار الأرباح.
ويرى المؤلفون أن هذا النفوذ يفسر، من وجهة نظرهم، لماذا يجري اتخاذ بعض قرارات السياسة الخارجية بعيداً عن التنافس الديمقراطي، وفي أروقة الشركات ومراكز النفوذ، رغم خروج ملايين الأشخاص إلى الشوارع احتجاجاً على الحروب.
ويستشهد المؤلفون برواية جورج أورويل “1984”، معتبرين أن استمرار الإحساس بالخطر والحرب يجعل تسليم السلطة إلى طبقة صغيرة يبدو وكأنه شرط طبيعي للبقاء.
ويقول الكتاب إن الإنفاق الدفاعي يُقدم باعتباره وسيلة لحماية المجتمعات، رغم أنه يستنزف أموالاً كان يمكن توجيهها إلى الخدمات العامة.
كما يحذر المؤلفون من تداعيات تسليح الصراعات الإقليمية، بما في ذلك ما يعرف بـ”الارتداد العكسي”، عندما تتحول الجماعات أو القوى التي دعمتها دول إلى خصوم لها في مراحل لاحقة.
ويستشهد الكتاب بتسليح المجاهدين في أفغانستان خلال الحرب ضد الاتحاد السوفيتي، ودعم صدام حسين خلال الحرب العراقية الإيرانية، باعتبارهما مثالين على تحول الحلفاء إلى خصوم.
ويرى المؤلفون أن هذا الارتداد يمكن أن يغذي عدم الاستقرار الذي تقول صناعة الأسلحة والمؤسسة الدفاعية إنها تحاول مواجهته، بينما تنتقل مخاطر العنف إلى السكان في المنطقة.
ويعرض الكتاب أيضاً حالة إسرائيل زيف، الرئيس السابق لمديرية العمليات في الجيش الإسرائيلي ومؤسس شركة “جلوبال سي إس تي”، التي نسقت صادرات أسلحة إسرائيلية، والذي فرضت عليه الحكومة الأمريكية عقوبات بسبب تزويده طرفي النزاع في جنوب السودان بالأسلحة، بالتزامن مع استفادته من عقود مرتبطة بالأزمة الإنسانية التي ساعدت الأسلحة في خلقها، بحسب المادة.
كما يتناول الكتاب رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، الذي قاد بريطانيا إلى غزو العراق، ثم أصبح لاحقاً عضواً في “مجلس السلام” التابع للرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإعادة إعمار غزة.
ويرى المؤلفون أن المفارقة تكمن في أن الأشخاص الذين ساهموا، وفق توصيفهم، في تدمير المنطقة يمكن أن يتحولوا لاحقاً إلى مستفيدين من جهود إعادة إعمارها.
ويقدر التحقيق إجمالي الأرباح المتراكمة المرتبطة بتدمير غزة بنحو 50 مليار دولار، في الوقت الذي يواجه فيه الفلسطينيون آثار الحرب والدمار.
كما يشير الكتاب إلى أن التكنولوجيا الإسرائيلية يجري تسويقها باعتبارها “مجربة في المعارك” في غزة، ثم تصدر إلى صراعات أخرى، فضلاً عن استخدامها في المراقبة ومواجهة الاحتجاجات.
ويخلص التحقيق إلى أن الحروب مثل غزة واليمن تتحول، وفق رؤية مؤلفيه، إلى مختبرات لتطوير وتسويق الأسلحة عالية التقنية، قبل عرضها في الأسواق والمعارض العسكرية.
وفي النهاية، يعود الكتاب إلى السؤال الذي طرحه أحمد النوق بعد مقتل أفراد عائلته: من صنع القنبلة التي قتلتهم، ومن استفاد من موتهم؟ ويرى المؤلفون أن البحث عن الإجابة يقود إلى شبكة من المصالح والأرباح والفساد المرتبطة بصناعة تعتمد، في جانب من نموذج أعمالها، على استمرار الحروب والدمار.





