علّقت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جزءًا من شحنات العملة الأمريكية المرسلة إلى العراق، في خطوة تعكس تصعيدًا غير مسبوق في الضغط السياسي والاقتصادي على بغداد، وسط تصاعد التوتر بين الطرفين بسبب نفوذ الميليشيات المدعومة من إيران وتدخلها في مسار تشكيل الحكومة الجديدة .
بحسب صحيفة واشنطن بوست فإن القرار يشمل تعليق تحويل نحو 500 مليون دولار من عائدات النفط العراقي، وهي أموال تُودع أصلًا في حسابات لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، قبل نقل جزء منها نقدًا إلى العراق ضمن آلية مالية مستمرة منذ سنوات.
ويمثل هذا الإجراء تطورًا حساسًا في العلاقة بين واشنطن وبغداد، إذ تعتمد الحكومة العراقية بشكل كبير على تدفقات الدولار للحفاظ على استقرار العملة المحلية، الدينار، وتمويل الإنفاق العام.
وأثار القرار قلقًا واسعًا داخل الأوساط الحكومية العراقية، حيث يرى مسؤولون أن تعليق الشحنات النقدية يمنح واشنطن نفوذًا مباشرًا على أحد أهم مصادر الاستقرار الاقتصادي في البلاد.
وأشار دبلوماسي عراقي إلى أن توقف تدفق الدولار قد يؤدي إلى تداعيات خطيرة على الاقتصاد الهش.
ورغم ذلك، حاولت الحكومة العراقية التقليل من خطورة الخطوة، حيث أكد المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء أن الجزء الأكبر من تدفقات الدولار لا يزال مستمرًا عبر القنوات المصرفية الرسمية، وأن البلاد لا تواجه أزمة سيولة فورية.
ويأتي هذا التصعيد في سياق أوسع من التوترات المرتبطة بالحرب الأمريكية مع إيران، حيث تتهم واشنطن الميليشيات العراقية المتحالفة مع طهران بتنفيذ هجمات ضد مصالحها داخل العراق وخارجه.
وتشير المعطيات إلى أن هذه الميليشيات، التي برزت خلال سنوات الاحتلال الأمريكي ثم جرى دمجها ضمن قوات الحشد الشعبي، تحولت إلى لاعب سياسي رئيسي، حيث تمتلك نفوذًا واسعًا داخل البرلمان ومؤسسات الدولة.
في انتخابات 2025، تمكن تحالف سياسي مرتبط بهذه الجماعات من تحقيق موقع مهيمن داخل البرلمان، ما منحه قدرة مباشرة على التأثير في اختيار رئيس الوزراء الجديد، وهو ما أثار اعتراضًا أمريكيًا واضحًا.
وأكدت واشنطن أنها تمارس ضغوطًا متواصلة على القادة العراقيين لتشكيل حكومة تتبنى نهجًا مختلفًا تجاه الميليشيات، مشددة على ضرورة تفكيك هذه الجماعات أو الحد من نفوذها.
وبرزت الخلافات بشكل خاص حول أسماء المرشحين لرئاسة الحكومة، حيث أبدت إدارة ترامب رفضًا صريحًا لعودة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، ملوّحة بوقف الدعم الأمريكي في حال توليه المنصب مجددًا.
كما أشارت تقارير إلى أن واشنطن دعمت في وقت سابق استمرار رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، لكنها تراجعت لاحقًا عن هذا الموقف، ما يعكس غموضًا في التوجه الأمريكي بشأن البديل المفضل.
في المقابل، يواجه المشهد السياسي العراقي تعقيدات إضافية مع طرح أسماء بديلة تحظى بدعم قوى سياسية مختلفة، وسط تنافس داخل التحالفات الشيعية المرتبطة بإيران.
وتزامن هذا الجمود السياسي مع تصاعد أمني، حيث أغلقت الولايات المتحدة بعثاتها الدبلوماسية في العراق جزئيًا، بعد هجمات استهدفت مصالحها، يُعتقد أن الميليشيات تقف وراءها.
كما قامت واشنطن بخطوة دبلوماسية نادرة تمثلت في استدعاء السفير العراقي للتعبير عن احتجاجها الشديد، في مؤشر على تدهور العلاقات إلى مستويات غير مسبوقة.
تعكس هذه الإجراءات استراتيجية أمريكية تهدف إلى استخدام الأدوات الاقتصادية للضغط على بغداد، في ظل صعوبة المواجهة المباشرة مع الميليشيات التي باتت جزءًا من بنية الدولة.
في المقابل، يحذر مسؤولون عراقيون من أن أي محاولة لتفكيك هذه الجماعات بالقوة قد تدفع البلاد نحو صراع داخلي واسع، في ظل تغلغلها داخل المؤسسات الأمنية والسياسية.
وبحسب مراقبين فإن قرار تعليق شحنات الدولار يتجاوز كونه إجراءً ماليًا، ليصبح أداة ضغط سياسية مباشرة، في لحظة مفصلية تتحدد فيها ملامح السلطة في العراق وسط صراع نفوذ إقليمي ودولي متصاعد.





