قالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن أفغانستان تشهد واحدة من أسوأ الأزمات الحقوقية في العالم بعد مرور خمس سنوات على سيطرة حركة طالبان على الحكم، مؤكدة أن الحركة واصلت تفكيك حقوق النساء والفتيات، ووسعت القيود على الحريات العامة، في وقت تتفاقم فيه الأزمة الإنسانية ويحتاج نحو 40% من السكان إلى مساعدات عاجلة.
وأصدرت المنظمة، بالتزامن مع الذكرى الخامسة لسيطرة طالبان على كابول في 15 أغسطس/آب 2021، جدولاً زمنياً يوثق أبرز الانتهاكات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الخمس الماضية، مشيرة إلى أن السلطات رسخت نظاماً يقوم على السيطرة الاجتماعية وقمع أي معارضة.
وأكد التقرير أن طالبان فرضت منذ وصولها إلى السلطة قيوداً واسعة على حقوق النساء في العمل والتعليم والتنقل والمشاركة في الحياة العامة، فيما واصلت شرطة الآداب تنفيذ حملات مداهمة لأماكن العمل، ومراقبة الأماكن العامة، واعتقال نساء بصورة تعسفية بدعوى مخالفة قواعد اللباس.
وأضافت المنظمة أن أفغانستان لا تزال الدولة الوحيدة في العالم التي تُحرم فيها الفتيات من التعليم بعد الصف السادس، معتبرة أن هذا الواقع يمثل أحد أبرز مظاهر التمييز الممنهج ضد النساء.
وقالت الباحثة في شؤون أفغانستان لدى هيومن رايتس ووتش، فرشته عباسي، إن مرور خمس سنوات على سيطرة طالبان يمثل “مؤشراً قاتماً على التكلفة المدمرة للإفلات من العقاب”، داعية الحكومات إلى تجاوز بيانات القلق والضغط من أجل تحقيق العدالة في الجرائم الخطيرة، بما في ذلك ما وصفته بـ”الجريمة ضد الإنسانية المتمثلة في الاضطهاد الجندري”.
ورصد التقرير تصعيداً جديداً في القيود القانونية، مشيراً إلى أن طالبان أصدرت في يناير/كانون الثاني 2026 قانون الإجراءات الجزائية، الذي يحصر تعريف المسلمين بأتباع المذهب الحنفي، ويصف الجماعات الدينية الأخرى، بما فيها المسلمون الشيعة، بـ”الزنادقة”، إلى جانب فرض عقوبات مشددة تستهدف إسكات المعارضين.
وأضاف أن قانوناً جديداً خاصاً بالخطباء ألزم رجال الدين بالالتزام بالمذهب الحنفي فقط، معتبراً أن هذه التشريعات ترسخ التمييز الديني داخل الإطار القانوني الأفغاني.
وأوضح التقرير أن قانون الإجراءات الجزائية الجديد لم يعد يعترف إلا بالضرب “المفرط” بوصفه شكلاً من أشكال العنف الأسري ضد النساء، ما يحرم ضحايا أشكال أخرى من الانتهاكات من سبل العدالة، كما ألغى مرسوم خاص بالتفريق القضائي بين الزوجين الضمانات المتعلقة بالحد الأدنى لسن الزواج، وهو ما يزيد مخاطر زواج الأطفال.
وأشار التقرير إلى أن طالبان كثفت كذلك القيود المفروضة على حرية التعبير ووسائل الإعلام، حيث تعرض صحفيون ومدافعات عن حقوق المرأة ونشطاء مجتمع مدني وأكاديميون وفنانون للاعتقال التعسفي والتعذيب وسوء المعاملة بسبب نشاطهم أو آرائهم.
وفي الجانب الإنساني، أكدت المنظمة أن أكثر من 17 مليون شخص، أي نحو 40% من سكان أفغانستان، يواجهون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، بينما تعاني خطة الأمم المتحدة للاستجابة الإنسانية من نقص كبير في التمويل.
وأرجعت هيومن رايتس ووتش تفاقم الأزمة إلى تقليص المساعدات الدولية، ولا سيما بعد التخفيضات الكبيرة في التمويل الأمريكي والبريطاني، وهو ما أجبر العديد من المنظمات الإنسانية على تقليص برامجها وخدماتها.
وأضافت أن القيود التي فرضتها طالبان على العاملات في المجال الإنساني، بما في ذلك اشتراط مرافقة أحد المحارم لهن أثناء العمل، زادت من صعوبة وصول النساء إلى المساعدات الإنسانية وسبل كسب العيش.
كما تناول التقرير أوضاع اللاجئين الأفغان، مشيراً إلى أن إيران وباكستان أجبرتا ملايين الأفغان على العودة إلى بلادهم، فيما تسعى ألمانيا إلى زيادة عمليات الترحيل منذ استئنافها في أغسطس/آب 2024، رغم المخاطر التي قد يتعرض لها العائدون.
ولفت التقرير إلى أن مسؤولين في الاتحاد الأوروبي استضافوا في يونيو/حزيران الماضي وفداً من طالبان في بروكسل لمناقشة ملفات الهجرة، داعياً جميع الحكومات إلى وقف أي عمليات ترحيل قسري إلى أفغانستان، بسبب مخاطر الاضطهاد والاحتجاز التعسفي والتعذيب.
وأشار التقرير أيضاً إلى استمرار تدهور الوضع الأمني، موثقاً مقتل ما لا يقل عن 269 مدنياً وإصابة أكثر من 122 آخرين في غارة جوية باكستانية استهدفت مركزاً لإعادة تأهيل مدمني المخدرات في كابول خلال مارس/آذار الماضي، وفق بيانات الأمم المتحدة.
ورحبت المنظمة بقرار مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، الصادر في أكتوبر/تشرين الأول 2025، والقاضي بإنشاء آلية مستقلة للتحقيق في الانتهاكات المرتكبة في أفغانستان من قبل جميع الأطراف، داعية الحكومات إلى توفير الموارد اللازمة لتمكينها من أداء مهامها، ودعم تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية وآليات المساءلة الأخرى.
واختتمت هيومن رايتس ووتش تقريرها بدعوة المجتمع الدولي إلى وقف عمليات الترحيل إلى أفغانستان، وحماية الأفغان المعرضين للخطر، والحفاظ على التمويل الإنساني، مؤكدة أن النساء والفتيات تحملن خمس سنوات من القمع والانتهاكات، وأن الاستجابة الدولية يجب أن ترتقي إلى مستوى الأزمة.





