كيف تعاملت الجزائر مع الإمارات كتهديد للأمن القومي بعد سلسلة أزمات في العلاقات؟

شارك

دخلت العلاقات الجزائرية الإماراتية مرحلة القطيعة المفتوحة بعد سنوات من التوتر المتصاعد، بعدما انتقلت الخلافات بين البلدين من ملفات إقليمية متفرقة إلى تصور جزائري يعتبر أن نفوذ أبوظبي بات يمس السيادة والأمن القومي.

وأعلنت الجزائر في 10 سبتمبر/أيلول 2026 قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات، متهمة إياها بأفعال “استفزازية أو عدائية”، ومؤكدة أنها استنفدت كل الوسائل للحفاظ على العلاقات الثنائية.

كما منحت السفير الإماراتي مهلة 48 ساعة لمغادرة البلاد، وأعلنت إغلاق مجالها الجوي أمام الطائرات الإماراتية المدنية والعسكرية، مع استثناء الرحلات التجارية مؤقتاً حتى نهاية العام.

ويشير تحليل نشره موقع ميدل إيست آي إلى أن قرار القطيعة لا يمكن تفسيره بمجرد الخلاف حول الصحراء الغربية أو إسرائيل أو ليبيا أو منطقة الساحل، لأن معظم هذه الملفات كانت قائمة منذ سنوات.

لكن التغيير الأساسي تمثل في الطريقة التي بدأت بها الجزائر تربط هذه القضايا ببعضها، باعتبارها أجزاء من مشكلة واحدة تتعلق بالسيادة والأمن القومي.

وقد حافظت الجزائر، لفترة طويلة، على الفصل بين خلافاتها مع الإمارات بشأن السياسة الإقليمية وبين العلاقات الثنائية.

ففي فبراير/شباط 2023، انعقدت الدورة الحادية عشرة للجنة التعاون العسكري المشتركة، كما عقدت اللجنة الاقتصادية الثنائية اجتماعاً في أبوظبي في الشهر نفسه، وسط حديث جزائري عن إمكانية تطوير شراكة استراتيجية مع الدولة الخليجية.

واستمرت الاتصالات السياسية حتى بعد ظهور التوترات إلى العلن، إذ التقى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون ونظيره الإماراتي محمد بن زايد لفترة وجيزة خلال قمة مجموعة السبع في إيطاليا في يونيو/حزيران 2024. لكن استمرار اللقاءات لم يمنع اتساع الهوة السياسية بين البلدين.

وبرزت الصحراء الغربية كأحد أبرز مصادر الخلاف. فقد افتتحت الإمارات قنصلية في مدينة العيون عام 2020، في خطوة دعمت الموقف المغربي بشأن السيادة على الصحراء الغربية، بينما تدعم الجزائر جبهة البوليساريو المطالبة بالاستقلال.

كما أصبحت مواقف البلدين متباعدة بشأن إسرائيل، بعدما طبّعت الإمارات علاقاتها معها ضمن اتفاقات أبراهام عام 2020، في وقت ترفض الجزائر التطبيع الإسرائيلي.

وامتد التنافس إلى منطقة الساحل، حيث تراجع النفوذ الجزائري في مالي بعد استعادة القوات المالية وحلفائها الروس مدينة كيدال من تحالف المتمردين الطوارق في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، ثم إلغاء باماكو اتفاقية السلام التي توسطت فيها الجزائر عام 2015.

وأدى ذلك إلى تقليص الدور الجزائري في شمال مالي وإضعاف إحدى الأدوات التي استخدمتها الجزائر لإدارة أمن حدودها الجنوبية.

ورغم أن أبوظبي لم تكن السبب الوحيد في هذا التراجع، فإنها وسعت حضورها في مالي، وطورت تعاوناً أمنياً مع باماكو، وقدمت مساهمة مالية بقيمة 30 مليون يورو لقوة مكافحة الإرهاب التابعة لمجموعة دول الساحل الخمس، إضافة إلى مركبات مدرعة للجيش المالي.

ومع تراجع النفوذ الجزائري، أصبح الحضور الإماراتي في المنطقة يُقرأ داخل الجزائر باعتباره جزءاً من تمدد إقليمي أوسع.

ووصل الخلاف إلى المؤسسات الجزائرية العليا. ففي يناير/كانون الثاني 2024، ناقش المجلس الأعلى للأمن التطورات في دول الجوار ومنطقة الساحل، وندد بما وصفه بأعمال عدائية نفذتها “دولة عربية شقيقة” من دون تسميتها. وبحسب ميدل إيست آي، جاء ذلك في سياق تزايد المخاوف الجزائرية من الدور الإماراتي.

وفي فبراير/شباط 2026، اتهم تبون الإمارات، من دون تسميتها، بالتدخل في الانتخابات الجزائرية، كما أشار إلى تهديدات باللجوء إلى التحكيم الدولي على خلفية استثمارات إماراتية. ولم تُنشر الأدلة الأساسية التي استندت إليها هذه الاتهامات، وهو ما يجعلها، وفق المادة المصدرية، جزءاً من السجال السياسي أكثر من كونها وقائع مثبتة قضائياً.

وتزامن ذلك مع إجراءات اقتصادية انتقائية. فمنذ مطلع 2024، وُجّه كتاب العدل الجزائريون إلى وقف بعض المعاملات المرتبطة بشركات في شراكة التبغ الجزائرية الإماراتية، بينما استمرت استثمارات ومشاريع إماراتية أخرى في الجزائر، بينها نشاط شركة موانئ دبي العالمية وشراكة إماراتية في قطاع تصنيع السيارات.

ويكشف ذلك أن إعادة تعريف العلاقة سياسياً سبقت القدرة على تفكيك شبكة المصالح الاقتصادية المتراكمة بين البلدين.

وبدأت الجزائر أيضاً في فبراير/شباط الماضي إجراءات إلغاء اتفاقية الخدمات الجوية الموقعة مع الإمارات عام 2013، قبل أن تصل الأزمة إلى قرار قطع العلاقات في سبتمبر.

وبعد القطيعة، أُغلق المجال الجوي الجزائري أمام الطائرات الإماراتية المدنية والعسكرية، مع إبقاء الرحلات التجارية إلى الجزائر العاصمة بصورة مؤقتة حتى نهاية 2026.

ويرى التحليل أن قرار سبتمبر لم يكن نتيجة حادثة واحدة بالضرورة، بل حصيلة مسار طويل تراكمت خلاله الخلافات حول الصحراء الغربية وإسرائيل ومالي والساحل وليبيا، إلى جانب اتهامات جزائرية بالتدخل في الشؤون الداخلية.

وأكد تبون في يوليو/تموز أن الجزائر كان بإمكانها قطع العلاقات في وقت سابق، لكنها امتنعت عن ذلك لتجنب تعميق الانقسامات داخل العالم العربي.

وفي المقابل، أعربت الإمارات عن أملها في أن يكون القرار الجزائري مؤقتاً، مؤكدة تمسكها بالعلاقات بين الشعبين.

وبذلك، تبدو القطيعة الحالية تتويجاً لتحول مؤسسي تدريجي في النظرة الجزائرية إلى أبوظبي؛ إذ لم تعد الخلافات تُعامل كملفات منفصلة، بل أصبحت مرتبطة في الخطاب السياسي الجزائري بمفهوم السيادة والأمن القومي.

ويظل كثير من الاتهامات المتبادلة غير مدعوم بوثائق منشورة للعموم، لكن مسار الإجراءات الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية يؤكد أن العلاقات انتقلت فعلياً من مرحلة إدارة الخلاف إلى مرحلة المواجهة المفتوحة.

شارك

Facebook
X
WhatsApp
LinkedIn
Telegram
Email

قد يعجبك أيضاً