واشنطن – رجّح تحليل اقتصادي أن يمنح الاتفاق الإطاري بين الولايات المتحدة وإيران الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرصة لإحياء حربه التجارية العالمية، لكن ذلك سيظل مرتبطاً بمسار أسعار النفط وقدرتها على إبقاء معدلات التضخم تحت السيطرة، في وقت تستعد فيه الإدارة الأمريكية لمرحلة جديدة من فرض الرسوم الجمركية على شركائها التجاريين.
وأوضح التحليل أن انخفاض أسعار النفط بعد الاتفاق الأمريكي الإيراني قد يوفر لترامب هامشاً أوسع لفرض تعريفات جمركية جديدة دون مواجهة ضغوط تضخمية كبيرة، بينما سيؤدي أي ارتفاع جديد في أسعار الطاقة إلى تقويض هذه الخطط من خلال زيادة تكاليف المعيشة ورفع كلفة الاقتراض وإرباك الأسواق المالية.
ويرى الكاتب والأستاذ في كلية إدارة الأعمال الدولية (IMD)، سيمون ج. إيفينيت، أن مستقبل السياسة التجارية الأمريكية سيتحدد وفق ثلاثة عوامل رئيسية، تتمثل في قدرة الإدارة على تجاوز العقبات القانونية، واتجاه معدلات التضخم، ومدى اقتناع الشركات العالمية بأن أزمة الخليج قد انتهت بالفعل.
وأشار إلى أن المحكمة العليا الأمريكية كانت قد وجهت ضربة قانونية لسياسات ترامب الجمركية عندما حدّت من استخدام صلاحيات الطوارئ لفرض الرسوم، وألزمت الإدارة بالاعتماد على قوانين التجارة التقليدية التي تتطلب تحقيقات وإجراءات قانونية قبل فرض أي تعريفات جديدة.
وأوضح أن هذا التطور دفع البيت الأبيض إلى الاعتماد على تحقيقات تجارية كأساس قانوني للمرحلة المقبلة من الحرب التجارية، لافتاً إلى أن الإدارة طرحت بالفعل خلال الشهر الماضي فرض رسوم جمركية لا تقل عن 10% على واردات قادمة من نحو 60 دولة عقب تحقيقات تتعلق بقضايا العمل القسري.
ويرى التحليل أن فرض تعريفات جديدة لن يكون بلا تكلفة داخل الولايات المتحدة، إذ ستواجه الشركات الصناعية الأمريكية التي تعتمد على المواد الخام والمكونات المستوردة ارتفاعاً في تكاليف الإنتاج، وهو ما حدث خلال الولاية الأولى لترامب عندما أثارت الرسوم على واردات الصلب احتجاجات واسعة من كبرى شركات التصنيع.
وأشار إلى أن شركتي “جنرال موتورز” و”فورد” حملتا آنذاك الرسوم الجمركية مسؤولية ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع الأرباح، قبل أن تضطر الإدارة الأمريكية إلى منح آلاف الاستثناءات للشركات التي أثبتت عدم قدرة الموردين المحليين على تلبية احتياجاتها.
ويعتبر التضخم اليوم العقبة الأكبر أمام أي تصعيد تجاري جديد، إذ إن فرض رسوم إضافية على الواردات قد يؤدي إلى زيادة أسعار السلع للمستهلك الأمريكي في وقت لا تزال فيه الضغوط التضخمية مرتفعة.
وبحسب التحليل، بلغ معدل التضخم في الولايات المتحدة 4.2% خلال مايو الماضي، وهو أعلى مستوى خلال ثلاث سنوات، بعد الارتفاع الكبير في أسعار النفط الذي رافق الحرب الإيرانية، الأمر الذي دفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى تثبيت أسعار الفائدة والإشارة إلى احتمال رفعها بدلاً من خفضها إذا استمرت الضغوط السعرية.
ويرى الكاتب أن هذا الواقع يجعل من المستبعد أن يغامر ترامب بإطلاق حرب تجارية واسعة تؤدي إلى إشعال موجة تضخم جديدة، خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس،
مرجحاً أن تلجأ الإدارة إلى استخدام الرسوم الجمركية كورقة تفاوضية ثم تخفيفها تدريجياً مقابل الحصول على تنازلات من الشركاء التجاريين.
ويؤكد التحليل أن العامل الحاسم في هذه المعادلة سيظل سعر النفط، إذ انخفض خام برنت بعد الاتفاق إلى نحو 72 دولاراً للبرميل مع استئناف الملاحة تدريجياً في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية.
وأشار إلى أنه إذا استقرت الأسعار عند مستوياتها الحالية أو انخفضت أكثر، فإن الضغوط التضخمية ستتراجع، ما يمنح الإدارة الأمريكية مساحة أوسع للمضي في فرض تعريفات جديدة، أما إذا عادت أسعار النفط إلى الارتفاع، فإن التضخم سيصبح العائق الأكبر أمام أجندة ترامب الاقتصادية.
ولم يستبعد التحليل سيناريو يؤدي فيه تحول وقف إطلاق النار إلى اتفاق سلام دائم إلى زيادة الإمدادات النفطية العالمية خلال العام المقبل، وهو ما قد يدفع أسعار الطاقة إلى مزيد من الانخفاض، وفق تقديرات وكالة الطاقة الدولية، ويمنح الإدارة الأمريكية مرونة أكبر في سياساتها التجارية.
وفي المقابل، يرى الكاتب أن الشركات العالمية لا تزال تتعامل بحذر مع التطورات الأخيرة، رغم إعادة فتح مضيق هرمز، بعد أن كشفت الحرب هشاشة سلاسل الإمداد العالمية.
وأشار إلى أن أكثر من 1200 سفينة شحن تعطلت خلال فترة إغلاق المضيق، وكانت تحمل بضائع تقدر قيمتها بنحو 125 مليار دولار، الأمر الذي دفع شركات النقل البحري إلى الاستثمار في مسارات بديلة وتقليل الاعتماد على الممرات التقليدية في الخليج.
وأضاف أن شركات تعتمد على واردات الهيليوم والأسمدة والغاز الطبيعي المسال من الخليج بدأت بالفعل البحث عن موردين بديلين خارج المنطقة، في حين تتجه شركات أخرى إلى الاحتفاظ بمخزونات أكبر وتأجيل استثماراتها حتى تتأكد من استقرار الأوضاع الأمنية بصورة دائمة.
وخلص التحليل إلى أن الاتفاق الأمريكي الإيراني لن يحدد فقط مستقبل العلاقات بين البلدين، بل سيؤثر أيضاً في مسار التجارة العالمية، وقدرة إدارة ترامب على استئناف سياسة الرسوم الجمركية.
فضلاً عن سرعة استعادة الشركات العالمية الثقة للاستثمار وإعادة بناء سلاسل التوريد في الشرق الأوسط، مؤكداً أن أسعار النفط ستبقى العامل الأكثر تأثيراً في رسم حدود السياسة التجارية الأمريكية خلال المرحلة المقبلة.





