يعيش عمال الدفاع المدني والطواقم الطبية في جنوب لبنان حالة خوف دائم مع استمرار الغارات الإسرائيلية، بعدما تحولت سيارات الإسعاف ومراكز الطوارئ إلى أهداف مباشرة للهجمات، في ظل تصاعد أعداد القتلى بين المسعفين منذ استئناف الحرب بين حزب الله وإسرائيل.
وقُتل حسين جابر وزميله أحمد نورا، وهما من عناصر الدفاع المدني اللبناني، في غارة إسرائيلية مباشرة استهدفتهما أثناء محاولتهما إسعاف سائق توصيل جريح قرب مركز الدفاع المدني في مدينة النبطية جنوب البلاد.
وكان حسين جابر، الذي احتفل مؤخراً بذكرى زواجه الأولى، يترك رسائل حب لزوجته أريج رامال في أنحاء المنزل قبل مغادرته إلى عمله، مدركاً خطورة المهمة التي يؤديها يومياً في واحدة من أكثر المناطق استهدافاً بالقصف الإسرائيلي.
وقالت زوجته خلال جنازته إنها كانت تنصحه دائماً بالحذر، لكنه واصل عمله الإنساني من دون انتظار أي مقابل، مضيفة أنه كان يحلم بتكوين أسرة قبل مقتله.
وبحسب شهود عيان، أصيب سائق التوصيل مهدي عطوي في ساحة النبطية خلال غارة إسرائيلية، قبل أن ينجح في الوصول إلى مركز الدفاع المدني طالباً المساعدة. وأثناء محاولة جابر ونورا إسعافه، استهدفتهما غارة ثانية بشكل مباشر، ما أدى إلى مقتل الثلاثة وإصابة مسعفة أخرى.
وقال حسين دكدوق، أحد عناصر الدفاع المدني الذين كانوا في الموقع، إن إسرائيل تعلم جيداً أن المكان مركز تابع للدفاع المدني وأنه يعمل منذ أسابيع، مؤكداً أن الاستهداف كان مباشراً.
وأضاف دكدوق أنه نجا من الموت بالصدفة بعدما كان داخل سيارة الإسعاف لحظة وقوع الغارة الثانية، قائلاً إن جميع العاملين في الميدان يشعرون بأنهم “أموات أحياء”.
ويُعد جابر ونورا من بين تسعة عناصر من الدفاع المدني اللبناني قُتلوا منذ استئناف الحرب في الثاني من مارس الماضي، بينما سقط معظمهم خلال فترة ما يسمى “وقف إطلاق النار”.
وقال المتحدث باسم الدفاع المدني اللبناني إيلي خير الله إن ستة من رجال الإنقاذ التسعة قتلوا بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 17 أبريل.
كما استهدفت الهجمات الإسرائيلية أجهزة إسعاف وطوارئ أخرى، بينها الصليب الأحمر اللبناني وجمعية الرسالة الإسلامية الكشفية والهيئة الصحية الإسلامية وجمعية إسعاف النبطية.
ووفق وزارة الصحة اللبنانية، قُتل ما لا يقل عن 105 من عمال الطوارئ منذ اندلاع الحرب، رغم أن القانون الدولي واتفاقيات النزاعات المسلحة تمنح الطواقم الطبية والإنقاذية حماية خاصة.
واتهم مسؤولون لبنانيون ومنظمات حقوقية إسرائيل مراراً بتعمد استهداف فرق الإنقاذ والطواقم الطبية خلال العمليات العسكرية في الجنوب اللبناني.
واستؤنفت الحرب في مارس الماضي بعد إطلاق حزب الله صواريخ باتجاه شمال إسرائيل دعماً لإيران خلال المواجهة الإقليمية مع الولايات المتحدة وإسرائيل. ومنذ ذلك الحين، أسفرت الضربات الإسرائيلية عن مقتل ما لا يقل عن 2896 شخصاً في لبنان، إضافة إلى نزوح نحو مليون شخص من جنوب البلاد.
كما تحتفظ القوات الإسرائيلية حالياً بمنطقة احتلال تمتد لنحو سبعة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، بينما تواصل شن غارات يومية على مناطق تقع خارج ما تسميه إسرائيل “المنطقة الأمنية”، ومنها النبطية الواقعة جنوب نهر الليطاني.
ومن بين نحو ثلاثة آلاف قتيل سقطوا في لبنان، توفي 380 شخصاً بعد بدء تطبيق وقف إطلاق النار، وفق التقرير.
وفي جنوب لبنان، تواصل فرق الدفاع المدني العمل على مدار الساعة لإنقاذ المصابين وانتشال الجثث وتوزيع المساعدات الغذائية رغم المخاطر اليومية.
وقال محمد بشير، وهو أحد المسعفين المقربين من أحمد نورا، إن الأخير كان يعتبر عمله الإنساني وسيلته للدفاع عن أرضه، مضيفاً أن فرق الإنقاذ تستمد قوتها من إنقاذ الناس وسماع دعوات الأمهات بعد إنقاذ أطفالهن.
وفي مركز الدفاع المدني بالنبطية، خيم الحزن على زملاء جابر ونورا الذين عملوا معهما لسنوات طويلة، وكانوا يعيشون معاً داخل المركز منذ بداية الحرب بسبب كثافة المهام والخطر المستمر.
وقال حسين سعد، أحد أصدقاء جابر المقربين، إن رؤية جثة صديقه هامدة على الأرض أصابته بصدمة شديدة، فيما لم يتبق من زيّه سوى بقايا ممزقة مغطاة بالدماء والشظايا.
ورغم استمرار الغارات والخوف من تكرار الاستهداف، عاد عناصر الدفاع المدني إلى العمل في اليوم التالي للهجوم، مؤكدين أنهم لن يتركوا واجبهم الإنساني رغم الخسائر المتواصلة.
وقال المسعف فاضل كالاكيش إنهم “لن يتعرفوا على أنفسهم” إذا توقفوا عن أداء واجبهم، فيما شدد حسين دكدوق على أن تضحيات زملائهم زادت من عزيمتهم على الاستمرار.





