المعركة على أصوات اليمين في فرنسا تبدأ مبكراً.. فيليب يصور لوبان كمرشحة “يسارية”

شارك

أعادت عودة زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان إلى سباق الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة عام 2027 رسم خريطة المنافسة السياسية، بعدما اضطر رئيس الوزراء السابق إدوارد فيليب إلى تعديل استراتيجيته الانتخابية والتركيز على مهاجمة برنامجها الاقتصادي، في محاولة لاستقطاب ناخبي يمين الوسط والمحافظين المؤيدين لاقتصاد السوق.

وبعدما أطلق حملته الانتخابية في مايو الماضي ببرنامج وصفه بأنه “محافظ ومتفائل”، كثف فيليب وأنصاره هجماتهم على لوبان، معتبرين أن برنامجها الاقتصادي أقرب إلى سياسات اليسار، وأنه يقوم على توسيع دور الدولة وزيادة الإنفاق العام بصورة لا تنسجم مع الأوضاع المالية التي تواجهها فرنسا.

وأكد مقربون من فيليب أن المعركة المقبلة لن تتركز على ملفات الهجرة أو الأمن، التي تعد نقاط قوة اليمين المتطرف، وإنما على القضايا الاقتصادية والمالية، سعياً لإقناع الناخبين المحافظين بأن برنامج لوبان يفتقر إلى الواقعية ويهدد الاستقرار المالي للبلاد.

وفي هذا السياق، اعتبرت عضو البرلمان الأوروبي ناتالي لوازو، إحدى أبرز الداعمين لحملة فيليب، أن البرنامج الاقتصادي الذي تتبناه لوبان يحمل توجهاً يسارياً بدرجة كبيرة، في إشارة إلى وعودها بتوسيع الإنفاق الاجتماعي وتعزيز دور الدولة في الاقتصاد.

وتأتي هذه الاستراتيجية بعد تطور سياسي بارز تمثل في استعادة لوبان حقها في خوض الانتخابات الرئاسية، عقب قرار قضائي أنهى حالة الغموض التي أحاطت بمستقبلها السياسي، بعدما كانت إدانتها في قضية اختلاس العام الماضي قد أدت إلى منعها من الترشح للمناصب العامة لمدة خمس سنوات، وهو ما دفع رئيس حزب “التجمع الوطني” جوردان بارديلا إلى الاستعداد لخوض الانتخابات بدلاً منها.

وخلال الفترة التي كان فيها بارديلا المرشح المتوقع للحزب، سعى إلى تقديم صورة أكثر اعتدالاً للحركة اليمينية، مع التركيز على السياسات المؤيدة للأعمال والانضباط المالي، في محاولة لتوسيع قاعدة الحزب داخل أوساط الناخبين المحافظين وقطاع رجال الأعمال.

غير أن عودة لوبان إلى واجهة المشهد أعادت برنامجها الاقتصادي التقليدي إلى صدارة خطاب الحزب، وهو البرنامج الذي يمنح الدولة دوراً أكبر في إدارة الاقتصاد ويعطي أولوية للحماية الاجتماعية، الأمر الذي يرى منافسوها أنه يفتح الباب أمام انتقادها من زاوية السياسات المالية.

ويعتقد فريق فيليب أن مواجهة لوبان ستكون أكثر صعوبة مقارنة بمواجهة بارديلا، نظراً لخبرتها السياسية الطويلة وحضورها الشعبي، إلا أنهم يرون في الوقت نفسه أن برنامجها الاقتصادي يوفر نقاط ضعف يمكن استثمارها خلال الحملة الانتخابية.

وقال النائب فريدريك فاليتو، أحد الداعمين لفيليب، إن لوبان تمتلك خبرة سياسية واسعة تجعلها منافساً قوياً، لكنه اعتبر أن برنامجها يتضمن تناقضات عديدة، ولا يقدم حلولاً عملية للأزمات الاقتصادية التي تواجه فرنسا.

وتبرز قضية إصلاح نظام التقاعد كواحدة من أبرز نقاط الخلاف بين الطرفين، إذ تتمسك لوبان بخفض سن التقاعد إلى 62 عاماً، متعهدة بإلغاء الإصلاح الذي أقره الرئيس إيمانويل ماكرون عام 2023 ورفع السن تدريجياً إلى 64 عاماً.

في المقابل، سبق لبارديلا أن أبدى مرونة أكبر تجاه هذا الملف، ملمحاً إلى إمكانية تعديل موقف الحزب بسبب الضغوط التي تواجه المالية العامة الفرنسية وارتفاع مستويات الدين العام.

أما فيليب، فيتبنى موقفاً أكثر تشدداً، إذ طرح إمكانية رفع سن التقاعد إلى مستوى أعلى من الإصلاح الحالي، معتبراً أن استمرار الإنفاق الاجتماعي دون إصلاحات هيكلية سيؤدي إلى تفاقم أزمة المالية العامة.

ويأتي هذا الجدل في ظل توقعات اقتصادية تشير إلى استمرار ارتفاع الدين العام الفرنسي خلال العقود المقبلة، وهو ما جعل ملف الإصلاحات المالية يحتل موقعاً مركزياً في الاستعدادات للانتخابات الرئاسية.

ويراهن فريق فيليب على أن الناخبين المحافظين، الذين يضعون الانضباط المالي وحرية السوق في مقدمة أولوياتهم، سيكونون أقل ميلاً لدعم لوبان مقارنة بما كان يمكن أن يحدث لو خاض بارديلا السباق، نظراً لاختلاف مواقفهما الاقتصادية.

ويرى مراقبون أن عودة لوبان إلى المنافسة الرئاسية ستجعل الملف الاقتصادي أحد أبرز ميادين المواجهة بين المرشحين، في ظل سعي كل طرف إلى كسب أصوات يمين الوسط، التي قد تلعب دوراً حاسماً في تحديد هوية الرئيس الفرنسي المقبل.

شارك

Facebook
X
WhatsApp
LinkedIn
Telegram
Email

قد يعجبك أيضاً