استضاف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وفداً من كبار قادة اليهود الحريديم في البيت الأبيض، في لقاء أثار اهتماماً واسعاً بسبب مشاركة شخصيات دينية تنتمي إلى تيارات أرثوذكسية تُعرف بمواقفها الرافضة للصهيونية ومعارضتها لفكرة الدولة الإسرائيلية بصيغتها السياسية الحالية.
وعُقد اللقاء قبل حلول رأس السنة اليهودية “روش هاشانا”، لكنه تجاوز، وفق ما أظهرته الصور والتفاصيل التي نشرت لاحقاً، إطار الاستقبال الديني التقليدي، إذ جلس عدد من كبار الحاخامات مباشرة أمام ترامب في المكتب البيضاوي، بحضور صهره جاريد كوشنر، إلى جانب لقاءات أخرى جمعت أعضاء الوفد بنائب الرئيس جيه دي فانس وشخصيات سياسية جمهورية.
وبحسب تقرير نشره موقع “ميدل إيست آي”، ضم الوفد شخصيات بارزة من المجتمع الحسيدي الأمريكي، من بينها الحاخام آرون تيتلبوم، أحد أبرز قادة طائفة ساتمار اليهودية الأرثوذكسية، التي تُعرف داخل بعض أوساطها بمواقف دينية وسياسية رافضة للصهيونية.
ويقود تيتلبوم إحدى أكبر الجماعات الحسيدية في الولايات المتحدة، ويتمركز عدد كبير من أتباعه في منطقة كرياس جويل بولاية نيويورك، حيث يمثل المجتمع الحريدي كتلة دينية واجتماعية ذات ثقل متزايد.
وأظهرت صور الاجتماع تيتلبوم جالساً قبالة ترامب مباشرة، بينما كان يقرأ من رسالة أعدها مسبقاً، في مشهد اعتبره مراقبون لافتاً، بالنظر إلى الحساسية السياسية المحيطة بعلاقة الولايات المتحدة بإسرائيل، وإلى تاريخ بعض الجماعات الحريدية في رفض المشروع الصهيوني.
وتتبنى بعض الجماعات اليهودية الأرثوذكسية المتشددة موقفاً دينياً معادياً للصهيونية، انطلاقاً من اعتقاد بأن إقامة دولة يهودية لا ينبغي أن تتم عبر مشروع سياسي أو قومي قبل مجيء “المسيح” وفق معتقداتهم الدينية.
وتُعد جماعة ساتمار واحدة من أبرز هذه التيارات، رغم وجود اختلافات بين الجماعات الحريدية نفسها بشأن العلاقة مع إسرائيل، إذ ترفض بعض الفصائل شرعية الدولة الإسرائيلية بصورة صريحة، بينما تتعامل فصائل أخرى مع المؤسسات السياسية الإسرائيلية للدفاع عن مصالحها الدينية والاجتماعية.
وقال الكاتب والناشط الإسرائيلي الأمريكي ميكو بيليد إن الحاخام تيتلبوم ربما كان الشخصية الدينية الأكثر أهمية في الاجتماع، نظراً إلى موقعه داخل المجتمع الحسيدي الأمريكي وحجم الجماعة التي يمثلها.
أما الحاخام يسرائيل دوفيد فايس، المعروف بمشاركته في فعاليات واحتجاجات ضد السياسات الإسرائيلية، فرأى أن اجتماع شخصيات دينية تعلن رفضها الصهيونية مع رئيس أمريكي يمثل تحولاً سياسياً لافتاً.
وقال إن مثل هذه اللقاءات لم تكن مقبولة سياسياً في السابق، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بشخصيات تدعو بصورة واضحة إلى رفض الدولة الصهيونية أو تفكيكها.
ويأتي اللقاء في توقيت سياسي حساس، قبل الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، وقبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، في ظل تصاعد النقاش داخل الولايات المتحدة بشأن مستقبل العلاقة الأمريكية الإسرائيلية.
وشهدت السنوات الأخيرة تغيراً تدريجياً في مواقف بعض المحافظين الأمريكيين تجاه إسرائيل، مع تزايد الانتقادات المتعلقة بحجم الدعم العسكري والسياسي والمالي الذي تقدمه واشنطن لتل أبيب.
ويرى مراقبون أن الاجتماع يعكس إدراكاً متزايداً داخل الأوساط السياسية الأمريكية بأن اليهود الأمريكيين ليسوا كتلة سياسية أو فكرية واحدة، وأن ربط الهوية اليهودية تلقائياً بالصهيونية لم يعد يعكس الواقع الكامل داخل المجتمع اليهودي.
وبحسب ميكو بيليد، حمل الوفد إلى البيت الأبيض رسالتين أساسيتين، الأولى التأكيد على أن أعضاءه لا يمثلون تياراً صهيونياً، والثانية تتعلق بالضغوط التي يتعرض لها المجتمع الحريدي بسبب أزمة التجنيد الإجباري في الجيش الإسرائيلي.
وتشكل قضية تجنيد الحريديم واحدة من أكبر الأزمات السياسية والاجتماعية داخل إسرائيل، إذ ظل أفراد المجتمع الحريدي يتمتعون لعقود بإعفاءات واسعة من الخدمة العسكرية.
لكن تصاعد أعداد الحريديم وتزايد أعداد المعفيين من التجنيد دفع القضية إلى صدارة الجدل السياسي الإسرائيلي، وسط احتجاجات واسعة واشتباكات بين متظاهرين حريديم وقوات الشرطة.
وتشير تقديرات إلى أن نسبة الحريديم من السكان الإسرائيليين ارتفعت بصورة كبيرة خلال السنوات الماضية، ما جعل قضية إعفائهم من الخدمة العسكرية أكثر حساسية بالنسبة للمؤسسة السياسية والعسكرية.
وفي المقابل، حرص البيت الأبيض على تقديم اللقاء بوصفه جزءاً من التواصل المستمر مع الجماعات الدينية المختلفة في الولايات المتحدة.
وقال مسؤول في البيت الأبيض إن الرئيس استقبل الوفد في إطار لقاءات دورية مع ممثلين عن المجتمعات الدينية، مشيراً إلى أن الحاخامات شكروا ترامب على مواقفه المتعلقة بحرية المعتقد والتعليم ومكافحة معاداة السامية.
لكن اللقاء لم يخل من انتقادات سياسية، إذ اعتبرت شخصيات ديمقراطية أن اختيار مجموعة محددة من القادة الحسيديين يعكس أهدافاً انتخابية ضيقة.





