دفعت سنوات الحرب في اليمن أعداداً متزايدة من أبناء فئة “المهمشين” إلى الالتحاق بجبهات القتال، في تحول يقول باحثون إنه أعاد رسم الواقع الاقتصادي والاجتماعي لهذه الفئة التي عانت لعقود من الفقر والتمييز، بينما حذر آخرون من أن المكاسب المالية التي حققها بعض المقاتلين جاءت على حساب تعميق آثار الحرب وإعادة تشكيل البنية الاجتماعية في البلاد.
وتعد فئة “المهمشين” إحدى أكثر الفئات تهميشاً في اليمن، إذ ارتبط أفرادها تاريخياً بمهن منخفضة الدخل مثل تنظيف الشوارع وتلميع الأحذية، في ظل محدودية فرص التعليم والعمل وتركز معظمهم في أحياء عشوائية تفتقر إلى الخدمات الأساسية.
ويروي عدد من أبناء هذه الفئة أن تراجع المعارك منذ دخول الهدنة الأممية حيز التنفيذ في عام 2022، إلى جانب الرواتب التي تدفع بالريال السعودي أو الدولار في بعض الجبهات، شجع كثيرين على الانضمام إلى التشكيلات العسكرية أملاً في تحسين أوضاعهم المعيشية.
وقال أحد المقاتلين السابقين إنه أمضى نحو عامين على الحدود السعودية قبل أن يعود إلى تعز، حيث تمكن من استئجار منزل جديد، وشراء قطعة أرض، وبناء منزل، إضافة إلى الاستثمار في وسائل نقل توفر له دخلاً مستقراً، بعدما كان يعيش مع أسرته في مسكن مؤقت يفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.
وأضاف أن هدفه من الالتحاق بالقتال كان توفير مستقبل أفضل لأطفاله، مؤكداً أنه لا يرغب في أن يرثوا المهنة التي ورثها عن والده أو أن يسلكوا طريق القتال، بل يطمح إلى إكمالهم تعليمهم والعمل في مهن مدنية.
وفي المقابل، انتهت محاولات آخرين بصورة مأساوية، إذ توجه بعض اليمنيين إلى القتال خارج البلاد بعد تعثر انضمامهم إلى الجبهات المحلية، وبينها الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا، سعياً للحصول على دخل مرتفع.
وروت أسرة أحد هؤلاء أنها فقدت الاتصال به بعد سفره، قبل أن تتلقى لاحقاً نبأ مقتله، مشيرة إلى أن الظروف الاقتصادية الصعبة دفعت كثيرين إلى المخاطرة بحياتهم بحثاً عن مصدر دخل لإعالة أسرهم.
وتقول زوجته إن زوجها لم يكن يرغب في خوض الحرب، لكنه رأى فيها الخيار الوحيد بعد فشله في العثور على فرصة عمل توفر الحد الأدنى من متطلبات المعيشة، داعية الأسر اليمنية إلى عدم تشجيع أبنائها على الالتحاق بأي ساحات قتال.
ويشير باحثون اجتماعيون إلى أن الحرب أحدثت تغيرات واضحة في البنية الطبقية داخل المجتمع اليمني، إذ أصبح بعض المقاتلين يمتلكون موارد مالية ومكانة اجتماعية لم تكن متاحة لهم قبل سنوات، بينما تراجعت الأوضاع الاقتصادية لفئات متعلمة وموظفين حكوميين يعانون من ضعف الرواتب أو انقطاعها.
وأوضح أكاديميون أن هذه التحولات أدت إلى صعود النفوذ الاقتصادي للمقاتلين على حساب أصحاب المهن المدنية، مع تغير معايير المكانة الاجتماعية من التعليم والخبرة إلى القدرة المالية والارتباط بالتشكيلات المسلحة.
كما حذروا من أن استمرار هذا الواقع قد يترك آثاراً طويلة الأمد على الأجيال الجديدة، التي قد تنظر إلى حمل السلاح باعتباره الطريق الأسرع لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، في وقت تتراجع فيه فرص العمل والتعليم.
وتشير تقديرات محلية إلى أن عدد أفراد فئة “المهمشين” يبلغ نحو 3.5 مليون شخص، فيما تؤكد الأمم المتحدة أن أكثر من نصف سكان اليمن ما زالوا بحاجة إلى مساعدات إنسانية وخدمات حماية بسبب تداعيات الحرب المستمرة منذ عام 2015.
ويرى مختصون أن الحرب لم تنهِ التمييز التاريخي الذي تعرضت له هذه الفئة، لكنها أعادت توزيع موازين القوة داخل المجتمع، بحيث أصبح المال والنفوذ المرتبطان بالنزاع يلعبان دوراً أكبر في تحديد المكانة الاجتماعية، في ظل استمرار الأزمة الاقتصادية وتراجع مؤسسات الدولة.





